الأخبار

أزمة “الرقائق الإلكترونية”.. البيضة أم الدجاجة؟

يجتاح سلاسل التوريد العالمية نقصٌ في أشباه الموصلات التي تعرف أيضاً بالرقائق الإلكترونية، ولا يبدي هذا النقص أي علامات على الهدوء، ولن نتفاجأ إذا استمر لعام آخر.

وخفضت شركات صناعة السيارات من “فورد موتور كو” إلى “جنرال موتورز كو” و”تويوتا موتور كورب” الإنتاج بسبب نقص أشباه المواصلات، ويواصل العديد منهم تعطيل خطوط الإنتاج عبر العالم.

ويحث مجلس الشيوخ الأمريكي حالياً البيت الأبيض لمساعدة قطاع السيارات، وتعهدت الشركات التايوانية -بعضاً من أكبر صناع الأجزاء الأكثر طلباً- بزيادة الإنتاج.

ولكن التحديات أعمق من ذلك، وتشير إلى اختلال مستمر في القطاع.

ويعدُّ سوء تقدير الطلب من قبل قطاعات بقيمة مليارات الدولارات أحد جوانب القصة، أما الجانب الآخر هو المعروض، وتتراوح توقعات انتهاء النقص المفاجئ من الشهور القليلة المقبلة إلى الأربعة أرباع المقبلة، اعتماداً على ما قد يستغرقه الأمر لصناعة الرقائق التي تحتاجها شركات صناعة السيارات وغيرها من شركات الإلكترونيات الاستهلاكية.

وهنا تكمن العقبة الحقيقية: الآلات التي تَصنَعُ الرقائق، فقد تستغرق صناعة الاَلة الواحدة ثلاثة أشهر، ما يعني أن معدات صناعة الرقائق تستغرق وقتاً أطول.

الأسباب وراء الأزمة

تسبب عدد يُعدُّ على الأصابع من الصنّاع ، الذين يحكمون قبضتهم على 80% من السوق، في نقصٍ عالمي في المعروض خلال أغلب العشرين عاماً الماضية.

وتَحرك الطلب-كما يتضح من الفواتير، والذي يعد مؤشراً على الاتجاهات في قطاع صناعة أشباه الموصلات العالمي- ارتفاعاً وهبوطاً مع دورة القطاع، والذي حقق نمواً بنسبة تصل إلى 60% على أساس شهري ثم تراجع بما يعادل 20%.

ولكن هناك عامل آخر أيضاً: التسليم، ففي الفترة ما بين 2005 و 2017، كان ما يعرف لدى صانعي أشباه الموصلات اليابانيين بنسبة الدفتر إلى الفاتورة – التي تقيس قيمة الطلبيات المستلمة لكل دولار من المنتجات المسجلة في الفواتير- عند 1.04 في المتوسط، وهو ما أشار إلى أن الطلبيات عادة تتراكم أسرع مما كان يتم شحنه، وبحلول 2015، تسارع هذا الاتجاه.

وفي ظل مواصلة الطلبيات تجاوز المبيعات، توقفت الشركات المصنعة عن الإفصاح في 2017، وفقاً لرابطة القطاع في أمريكا الشمالية وغيرها من البيانات المتاحة.

وفي ذلك العام، أشار جاري إيه ديكرسون، المدير التنفيذي لشركة “أبلايد ماتريالز إنك” (Applied Materials Inc) التي تسيطر على 18% من السوق، في مكالمة أرباح، إلى أن الطلبيات تجاوزت أعلى مستوى على الإطلاق في الربع الأول، وارتفعت نسبة الدفتر إلى الفاتورة إلى 1.6 أو 1.7.

وقال روبرت جى هاليداي، الذي كان حينها المدير المالي، في نفس المكالمة: “إنه رقم كبير، وبالتالي سيتراجع مع الوقت”، ولكنه أشار أن الرقم سيظل “إيجابياً لبعض الوقت”، وفي نهاية 2017، تراجع إلى 1.11، وقال هاليداي إن “أبلايد ماتريالز” لا تزال لديها طلبيات متأخرة “كبيرة وواسعة النطاق”.

ركود الطلب في 2018

ومع ذلك، في 2018، بدأت المبيعات تتباطأ عبر قطاع معدات أشباه الموصلات، وتغيرت أنماط طلب المستهلك النهائي، وكان صناع الرقائق يضعون أعينهم على الذكاء الاصطناعي، وشبكة الجيل الخامس وإنترنت الأشياء، وكانت المنتجات العادية مثل الخوادم والحواسب الشخصية تضعف، ولم يتوقع صناع المعدات ذلك، وشهدوا انسحاب عملائهم بوتيرة أسرع من المتوقع.

وكما قال دانيال جى ديرن، المدير المالي الحالي لشركة “أبلايد ماتريالز” في ديسمبر 2020 في مؤتمر باركليز للتكنولوجيا والاتصالات العالمية، مشيراً إلى ركود 2018: “عندما دخلنا في الركود، ما رأيناه هو خفض العملاء للسعة الإنتاجية (مشيراً إلى صناع الرقائق)، وكانت هذه المرة الأولى التي نشهد فيها مثل هذا “السلوك المنضبط”.

ولكن ربما ذهب هذا الانضباط إلى أبعد مما ينبغي، فطالما كان مقياس الطلب خادعاً بالنسبة لقطاع إنتاج آلات أشباه الموصلات، الذي تزيد قيمته على 60 مليار دولار، وعادة ما ترك التقدم السريع في تكنولوجيا صناعة الرقائق – بجانب تقلبات المستهلكين – صناع الآلات الأقل ذكاء يلعبون لعبة اللحاق بالركب في سوق متقلبة، ولكن من الصعب المواكبة لأن الآلات – سواء تلك التي تحفر على الرقائق أو التي تصنع طبقات السيليكون – يمكن أن تصبح سريعاً قديمة مع تطور التكنولوجيا.

ويكمن التحدي الأكبر في الإنتاج والمخزونات هو الإدارة الصحيحة، وهو ما قد يجعل المصروفات الرأسمالية متقلبة، وكذلك حصة الأرباح المنفقة على البحث والتطوير، وارتفع العائد على رأس المال المستثمر من 19.5% في 2017 إلى 29% العام التالي.

وبالنظر إلى ما يتوقعه صناع المعدات حالياً يتضح حجم النقص الجاري في المعروض، وارتفعت الطلبيات على آلات إنتاج أشباه الموصلات بنسبة 17% في 2020 على أساس سنوي، وفقاً للمحللين في “سانفورد بيرنستاين” (Sanford Bernstein) استناداً على بيانات القطاع.

وعزز أكبر مورد ياباني وعملاق صناعة الآلات “طوكيو إلكترون ليمتد” (Tokyo Electron Ltd) توقعاته لعام 2021، ويرى حالياً أن مبيعات الآلات استناداً على الطلبيات التي يتلقونها قد ترتفع إلى 23% مقارنة بالعام الماضي، وسواء حصل صناع الرقائق على معداتهم في الوقت المناسب أم لا، فهذه قضية مختلفة تماماً.

وبالتالي، سيعود القطاع إلى حيثما كان بعد حالة من الاختلال الحاد، ونصيحتي لمن ينتظرون الرقائق، لا تفقدوا أعصابكم.

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm