الأخبار

أوروبا أمام معادلة صينية صعبة.. سوق لا يمكن تجاهلها وتعاون يسيطر عليه التوتر

في منتصف هذا العام كانت الموجة الأولى من وباء كورونا تضرب أوروبا بشدة حيث بلغت ذروتها، بينما الأوضاع في الصين حينها لم تتحسن تماما، ولم تكن السلطات هناك قد أفلحت بعد في السيطرة التامة على الوضع، وتواصل اتخاذ مزيد من الإجراءات لدرء خطر الفيروس.
هذا الوضع الحرج في دول الاتحاد الأوروبي والصين لم يمنع الجانبين من عقد حوارهما التجاري والاقتصادي الثامن على أعلى المستويات.
بالتأكيد احتلت سبل الاستجابة المشتركة لمواجهة فيروس كورونا جانبا من النقاش، لكن هذا لم يمنع من أن تكون سبل تعزيز التجارة الثنائية والاستثمار والتعاون في مجال الخدمات المالية والضرائب محور المحادثات.
لم يكن ذلك إلا نموذجا لمدى أهمية العلاقات الثنائية بين الصين والاتحاد الأوروبي في عديد من الجوانب خاصة التجارية والاستثمارية، فحتى وباء كورونا بكل قسوته لم يمنع الطرفين من مواصلة التخطيط لإحراز مزيد من التقدم في مسيرة علاقاتهما الثنائية بأبعادها الاقتصادية المتعددة.
وعلى الرغم من أن الأعوام الأربعة التي تولى فيها الرئيس ترمب سدة السلطة في الولايات المتحدة شهدت ضغطا متصاعدا على علاقة الاتحاد الأوروبي بالصين نتيجة التوترات التجارية بين واشنطن وبكين وطبيعة العلاقات الخاصة التي تربط الأوروبيين بالولايات المتحدة، إلا أن المسار العام بين الاتحاد الأوروبي والصين ظل تعاونيا إلى حد كبير.
ففي العقود الأربعة الماضية ومنذ أقامت الصين والمجموعة الاقتصادية الأوروبية علاقات ثنائية عام 1975، تغيرت كلتاهما بشكل كبير، فالصين صعدت لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بينما تحولت المجموعة الاقتصادية الأوروبية إلى الاتحاد الأوروبي، أكبر سوق منفردة في العالم، بعملة مشتركة واحدة وحرية في حركة السلع ورأس المال والخدمات والعمالة.
هذا التطور لدى الجانبين جعل من الحتمي أن تتسم العلاقات الاقتصادية بينهما بخصوصية تنسجم مع موقعهما الجديد في عالم التجارة الدولية، فقد بات الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للصين، بينما احتلت الصين موقع ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة.
وحاليا تعد الصين أكبر مصدر في العالم، إذ تبلغ حصتها من إجمالي الصادرات العالمية 16 في المائة، تليها دول الاتحاد الأوروبي الـ27 بحصة تصل إلى نحو 15 في المائة ثم الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 10 في المائة من إجمالي الصادرات الدولية.
الصين أيضا ثالث أكبر مستورد في العالم بنسبة 13 في المائة، يسبقها الاتحاد الأوروبي بنسبة 14 في المائة بينما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى بـ16 في المائة.
المرتبة المتقدمة التي يحتلها الطرفان في مجال التجارة الدولية، شجعت على تحقيق معدلات مرتفعة للتجارة البينية، وبالفعل فقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما العام الماضي 560 مليار يورو، حيث قدرت واردات الاتحاد الأوروبي من الصين بـ362 مليار يورو بينما بلغت صادرات دول الاتحاد للصين 198.3 مليار يورو.
وبصفة عامة يمكن القول إنه بين عامي 2009 إلى 2019 كان الميزان التجاري في مجال السلع منحازا إلى مصلحة الصين، وراوح بين 104 و164 مليار يورو، وخلال العام الماضي بلغ العجز التجاري لدول الاتحاد الـ27 في مواجهة الصين 164 مليار يورو.
تمثل المعدات والمركبات “سيارات – شاحنات” والكيماويات الجزء الأكبر من التبادل التجاري بين الطرفين، ومثلت 87 في المائة من الصادرات الأوروبية للصين و97 في المائة من وارداتها من الصين.
الاستثمارات المباشرة بين الطرفين لا تزال تتمتع بأهمية ملموسة في العلاقات الثنائية بي الطرفين، لكن بريقها بدأ يخبو العام الماضي – على الأقل – وسط توقعات بأن تتراجع هذا العام أيضا كأحد تداعيات تفشي وباء كورونا.
وفي هذا السياق يرسم أريك دين الخبير الاستثماري المشهد الاستثماري بين الطرفين، حيث يقول لـ”الاقتصادية”، “إن الاستثمار الصيني المباشر في الاتحاد الأوروبي يواصل انخفاضه، والعام الماضي تراجع بنسبة 33 في المائة أي من 18 مليار يورو عام 2018 إلى 12 مليار يورو فقط عام 2019، أي أنه تراجع إلى مستويات عام 2013، ويتماشى هذا الانخفاض مع المسار الهبوطي للاستثمار الصيني المباشر عالميا منذ عام 2016”.
ويضيف، “تراجعت حصة المستثمرين المملوكين للدولة، وانخفضت نسبة الاستثمار الوافد من الشركات المملوكة للدولة الصينية إلى 11 في المائة من إجمالي الاستثمار، وذلك أدنى مستوى منذ عام 2000، وقد أسهم استمرار الضوابط الإدارية والقيود المالية في الصين والبيئة التنظيمية المتغيرة في أوروبا في انخفاض الاستثمارات الصينية لدول الاتحاد الأوروبي”.
تظهر البيانات المتوافرة عن الاستثمارات الأوروبية المباشرة في الاقتصاد الصيني، أن الربع الأول من عام 2019 شهد انخفاضا في عمليات الاستحواذ والتأسيس المعلن عنها من قبل استثمارات شركات الاتحاد الأوروبي في الصين، بحيث إنها لم تتجاوز 2.7 مليار دولار فقط، وإذ لا تتوافر بيانات للفترات التالية فإن الاتجاه العام يشير إلى تحسن في الربعين الثاني والثالث من العام الماضي، قبل أن يبدأ وباء كورونا في التفشي في منطقة ووهان.
لكن قوة التعاون التجاري بين الطرفين والإيجابية التي لا تزال قائمة في المجال الاستثماري لا تنفي وجود كثير من التوتر بينهما.
توماس جلاند الباحث الاقتصادي في الشأن الآسيوي يؤكد لـ”الاقتصادية”، أن عمليات الاستحواذ والاستثمارات الصينية في الشركات الأوروبية ذات الطابع الاستراتيجي باتت شديدة الصعوبة أو شبه مستحيلة في الوقت الراهن، ما دفع الشركات الصينية إلى البحث عن طرق بديلة للتفاعل مع الكيانات الأوروبية، إذ كثفت تعاونها مع الأوروبيين في مجال البحث والتطوير خاصة مع شركات وجامعات وحكومات الاتحاد، حيث إن هذا التطور نتيجة طبيعية للنضج المتواصل في الاقتصاد الصيني، في الوقت ذاته يوجد هذا التعاون إشكالية للأوروبيين إذ يسهل نقل التقنيات الحرجة وذات الاستخدام المزدوج إلى المجمع الصناعي – العسكري الصيني، ما يمثل خطرا كبيرا على التوازن الاقتصادي بين الجانبين ويزيد من جوانب الخلل.
بيد أن مظاهر القلق الأوروبي وما يصاحبها من شيطنة للصين من قبل الإعلام الأوروبي، تصطدم بإدراك واع من قادة حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد بأن الزمن تجاوز إمكانية لجم التنين الصيني، وأن ما يبدونه من احتجاج على بعض السياسات الداخلية للصين، لا يجب أن يتجاوز حدود التعبير الإعلامي والتصريحات العامة لإرضاء الرأي العام الأوروبي، وأن الحديث عن عقوبات على غرار ما يفرض على روسيا مثلا أمر مستبعد، إذ إن أضرارها بالطابع الاستراتيجي للعلاقات الاقتصادية الثنائية أمر لا ريب فيه، في وقت باتت فيه الصين مهمة للغاية بالنسبة إلى الأوروبيين كشريك تجاري.
ويراهن الاتحاد الأوروبي على وجود حماس متزايد للاستثمار الأجنبي المباشر في الصين، وأن ذلك يعد جزءا من سياسة انفتاح الصين بشكل متنام على العالم الخارجي، بهدف إيجاد بيئة أعمال أفضل، حيث يتوقع قادة الاتحاد أن تتبنى الصين تدابير جديدة لمزيد من التحرر الاقتصادي.
ومع ارتفاع مستوى المعيشة عامة ومعيشة الطبقة المتوسطة الصينية خاصة، وزيادة الاستهلاك المحلي، فإن الصين سوق لا يمكن للأوروبيين غض الطرف عنها، أو تحديها بمحاولة فرض رؤيتهم الكونية عليها.

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm