الأخبار

ثقة “تسلا” أم انضباط “إكسون” أيهما على حق؟

يتلخص مستقبل الطاقة في الرؤى التنافسية لرجل منح نفسه لقب ملك التكنولوجيا، “تكنو كينغ”، ورجل آخر يتجنب لفت الأنظار إليه إلى الدرجة التي لم تكن “ويكيبيديا” متأكدة فيها من عام مولده.

ويختلف إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا”، عن دارين وودز، نظيره في شركة “إكسون موبيل” بشكل حاد للغاية. فتعايش ماسك مع صناعة الشهرة يقود الكثير من الحديث حول سيارات “تسلا” الكهربائية ومشاريعه الأخرى بدءاً من الصواريخ والشرائح العصبية المزروعة إلى تكنولوجيا حفر الأنفاق وقاذفة اللهب غير المألوفة. وعلى النقيض من ذلك، كان وقت حضور وودز لمكالمة الأرباح هو لفته الأكثر جذباً للعناوين الرئيسة في الوسائل الإعلامية حتى الآن.

ولا يفتقر أي من الرئيسين التنفيذيين إلى الثقة. ففي شهر مارس من 2020، أكد وودز لمحللي “وول ستريت” على “وضوح الطريق الطويل” بالنسبة إلى شركة “إكسون” رغم بعض التحديات المباشرة التي تواجهها، بما في ذلك وباء كورونا. وفي الشهر الذي تلا ذلك، وأثناء خضوع معظم الولايات المتحدة لعمليات الإغلاق الناتجة عن وباء كورونا، أعرب ماسك عن تفاؤل مماثل خلال مكالمة أرباح “تسلا”، قائلاً عن الوباء: “إنه طريق وعر نوعاً ما، ولكنني أعتقد أن التوقعات جيدة للغاية على المدى الطويل “.

وبالنظر إلى المسافة الكبيرة بين خطط الرجلين، لا يمكن أن تكون جميعها صحيحة، فلقد مال العام الماضي لصالح ماسك بشدة، حتى وقتنا هذا.

وعندما تحدث وودز قبل عام، كانت شركة “إكسون” تتوقع استمرار ارتفاع الطلب على النفط خلال العقدين المقبلين، حيث قدّرت أن الاستخدام المتواضع لسيارات الركاب العاملة بالكهرباء وخلايا الوقود بالكاد سيُغيّر من طلب الصناعة على النفط بحلول العام 2040. ولكن هذه التوقعات قلّلت من الوتيرة المحتملة للتحوّل إلى حد كبير، وفقًا لمحللي “بلومبرغ إي إي إف” الذين يرون أن حوالي 60% من المبيعات وثلث الأسطول سيكون كهربائياً بحلول ذلك الوقت، مما يعني انخفاض استهلاك وقود سيارات الركاب ​​بنسبة 20%. وبالطبع، تصبح هذه الأرقام متحفظة للغاية إذا نظرنا إلى توقعات ماسك.

تاريخ وودز مع إكسون

انضم وودز إلى شركة “إكسون” في عام 1992، وهو العام الذي أسست فيه الشركة نظام إدارة نزاهة العمليات الصارم للسلامة والمدروس بعناية شديدة، بعد الهزّة التي تعرضت لها “إكسون فالديز” Exxon Valdez جراء التسرب الزيتي في ألاسكا. وإلى جانب تصنيفات الأداء التنافسية، غرس ذلك النظام ثقافة الانضباط والتميز التشغيلي، فيما تصدّرت “إكسون”، بفضل أحدث طفرة تقنية، قوائم الشركات الأكثر قيمة في العالم بانتظام. ويمكن هنا النظر إلى موقف وودز على أنه شبيه بالمهندس الذي قام بوضع الأرقام مراراً وتكراراً، ثم طلب من زملائه التحقق من نموذجه بعد ذلك قبل الاستنتاج بأن الإجابة هي “إكس”.

ولكن “تسلا” لا تعمل بهذه الطريقة. فلقد قال دوغ فيلد، الرئيس السابق للهندسة والإنتاج في الشركة، ذات مرة: “نقوم بعدة قفزات واثقة، وكأننا نقفز من الطائرة ثم نقوم بتنفيذ أعمال التصميم وبناء المظلة أثناء نزولنا إلى الأرض.” وقد يبدو هذا مثل الهراء الكلاسيكي الذي يطرحه وادي السيليكون، ولكن “تسلا” نفّذت بعض القفزات الخارقة بالفعل. فهذه شركة رهنت مستقبلها بتطوير سيارتها “موديل 3” ، والتي كافحت من أجل تصنيعها، واضطرت في النهاية إلى إعداد خط مؤقت لتجميعها في خيمة مهيبة، قبل أن تتكلل جهودها بالنجاح من خلال بناء مئات الآلاف من طراز “موديل 3” خلال العام الماضي. وقد واجهت سيارات “تسلا” شكاوى كثيرة حول جودتها، ولكنها تلهم مخلصيها الشرسين، وهو ما يحسدها عليه منافسيها من مصنّعي السيارات. وتنبع ثقة ماسك عن قناعته من أنه يعرف الأفضل عن أي شخص آخر ، حتى وإن لم يملك الدليل الدامغ على ما يقوله حالياً.

أما “إكسون”، فلقد تم تاريخياً تداول سهمها بعلاوة كبيرة تفوق مثيلاتها من شركات النفط الكبرى الأخرى. وهنا فكّر في هذه العلاوة على أنها إيمان السوق بشركة تنفق الأموال بحكمة أكبر بكثير من منافسيها، وإيمانه بشركة يتسم فيها طريق مستقبلها بالوضوح، وإيمان بأن نظام إدارة نزاهة العمليات لديها يعمل بكفاءة. إلا أن هذه العلاوة بدأت في الانهيار بعام 2016 قبل تولي وودز المنصب الأعلى مباشرة، فيما أدت سلسلة من العثرات السابقة مثل التوقيت الخاطئ لدخول مجال الغاز الصخري، إلى تآكل الثقة في القدرات التكتيكية لدى شركة “إكسون”. ولم تساعد أيضاً استراتيجية وودز المتمثلة في الإنفاق بكثافة خلال انكماش أسعار النفط، وفي نهاية عام 2020، تمت إزالة سهم “إكسون” من مؤشر ​​”داو جونز” الصناعي، وتم تداوله بخصم لصالح شركة “شيفرون كورب”، وكان النشطاء يدعون إلى تجديد مجلس الإدارة.

التفوق في القيمة السوقية

حينما نقول بأن “تسلا” تطلب رأسمال فهو يشبه القول بأن ماسك يحب التغريد. ففي العام الماضي، تجاوزت القيمة السوقية لـ”تسلا” قيمة “إكسون”، بل وتتفوق حالياً على “تويوتا” و”فولكس واجن” و”دايملر” و”جنرال موتورز” مجتمعة، رغم بيعها لجزء بسيط من نسبة السيارات التي يضخّها هؤلاء المصنّعون. أظن أن هذه هي قيمة الإيمان التي ترقى إلى نوع من التعصب. إنها حقيقة الإيمان بقدرة ماسك على تشويه عالم ستيف جوبز القديم، بدلاً من الإيمان بالحد الأدنى من أرباح “تسلا”؛ والتي توقع لها المحللون أن تقل عن مليار دولار في الربع الأول خلال، مقارنة بقيمة سوقية تزيد عن 700 مليار دولار.

وهذا هو الوقت المناسب لتشويه الواقع في عدة مجالات. فلتهدئة المستثمرين، اقترضت “إكسون” لتدفع ما يقرب من 15 مليار دولار من أرباح الأسهم العام الماضي، وانخفض سعر سهم الشركة بأكثر من الثلث. بدورها، أعلنت “تسلا” عن ثلاث عمليات لبيع الأسهم، وحصلت على 12 مليار دولار أخرى بعد أن مدت يدها للعون، وارتفع سعر سهمها سبعة أضعاف.

واستفادت “تسلا” وشركات التكنولوجيا النظيفة الأخرى من أسعار الفائدة المنخفضة، مما شجّع على المراهنات طويلة الأجل والمضاربة. كما عزّز الضغط المتزايد لمواجهة تغيّر المناخ من السياسات الداعمة للإعانات، والتفويضات التي تراعي البيئة لدى مديري الأموال. ولا تعني المبالغة الكبيرة في تقييم “تسلا” نسبة إلى ربحها التقليل من شأن إنجازاتها. فبلا شك، أعاد طراز “موديل إس” Model S تحديد التوقعات بشأن ما يمكن أن تكون عليه السيارات الكهربائية. لقد شوّه ماسك الواقع بما يكفي فعلياً، للدرجة التي تتسابق فيها شركات صناعة السيارات التقليدية الآن على تزويد أساطيلها بالكهرباء. ومع ذلك، فإن سوق شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة (سباك) اليوم يُفضّل الشركات التي لا يتم الحكم عليها وفقاً لبياناتها المالية الأخيرة بشكل كبير، بل ويتم الحكم عليها بشكل أكبر من خلال تصدّر طموحاتها للعناوين الرئيسة القادمة.

المدارس القديمة

وتقف “إكسون” في الموقف المعاكس. فبدلاً من ابتكار المستقبل، تركز مهمة وودز حالياً على الحفاظ على الماضي أو حتى محاولة إحيائه. ومن المفترض أن يشير التزامه بهذه الأرباح العملاقة إلى أن عصر النفط لم ينته بعد وأن “إكسون” أعادت اكتشاف انضباطها، إلا أن الزخم وراء إجراءات تغيّر المناخ يمثّل تحدياً لا مفر منه لشركة تُحدّد صناعة الوقود الأحفوري. وروّج وودز، في آخر يوم للمحللين تم عقده افتراضياً الشهر الماضي، إلى ضبط الإنفاق والشركات الناشئة منخفضة الكربون، مما يشير بوضوح إلى أنه اضطر إلى إعادة تركيز رؤيته قليلاً خلال العام الماضي. ولكن “إكسون” لن تندفع نحو مصادر الطاقة المتجددة. فلا يزال يتعين على نظرائها إثبات قدرتهم على المضي قدماً في التحوّل إلى البيئة، ولا يزال يتخوف المستثمرون، الذين يطالبون بتوزيعات الأرباح، من استثمار “إكسون” عموماً في أي نوع من التوسعات سواء تعلّقت بالآبار أو توربينات الرياح.

ورغم أن نظام الشركة يُبيّن تخطيطها الدقيق، إلا أنها لا تتبّع مبدأ التفكير الحر. فبينما كان وودزر ينتظر استلام مهامه بعد تعيينه كرئيس تنفيذي في أواخر 2015، هز أحد المحللين في “وول ستريت” كتفيه باستهجان، قائلاً: “لا يمكنك ان تصل إلى أعلى إلى مستوى في “إكسون” من خلال هز القارب، وبالتالي لن يقوم الشخص الذي سيتم تكليفه بالمسؤولية بهز القارب”. ولا يُشَكِّل هذا مشكلة بالضرورة حتى يطرأ تغيير جذري.

وهذا التغيير تقوم به “تسلا” إلا أنه عالمها لم يتوقف هنا بالطبع، فماسك يقوم عادة بتحديد أهداف مستبعدة ولكنه ينساها بشكل متكرر، والأسوأ من ذلك، لا تعمل منتجات الشركة دائماً كما هو معلن عنها. كما يمكن للعملاء شراء ترقية “القيادة الذاتية الكاملة” من “تسلا” مقابل آلاف الدولارات رغم أنها لا تقدم ما يعد به اسمها وترتبط بالعديد من الحوادث المميتة، ليبدو الأمر كله وكأن السائقين يساعدون في بناء تلك المظلة الذاتية المعنيّة أثناء هبوطهم نحو الأسفل.

المستقبل لمن؟

ومن هذه الناحية، قد تبدو عادة “إكسون” في الترويج لإحصاءات السلامة أمراً عادياً، ولكن هذه الأشياء مهمة في الأعمال التجارية التي قد يكون كل شيء فيها تقريباً عرضة للانفجار أو التلوث إذا تم التعامل معه بشكل خاطئ. وعلى ما يبدو أن ثقة ” إكسون” في نظامها تعمي بصرها أحياناً، فيما تعرّض ثقة ماسك في قدرته المطلقة إلى المبالغة في التصرف بتعالٍ، كما يدل نهجه في التصنيع أو حتى المضاربة بالبيتكوين على عقلية المقامر. ورغم أن المستثمرين قد أثبتوا أنهم مرتاحون للتناوب على المقامرة في ذلك، إلا أنهم قد يكونون أكثر تقلباً في مزاجهم عن ماسك. ويُظهر الخلاف الأخير بين مستثمري النمو والقيمة، والذي اصطدم بعدة عوامل مثل التوقف أو البدء في أخذ التطعيم ومخاوف التضخم، مدى مرونة نظام إيمان السوق، فلقد ارتفع سهم “إكسون” بنسبة 40% حتى الآن من هذا العام مقابل 3% فقط لـ”تسلا”.

وحتماً، أثار صعود “تسلا” شكوك وخوف وجشع مصنّعي السيارات الآخرين الذين حاولوا تغيير الواقع الخاص بهم. فلقد وصل سعر سهم “فولكس واجن” إلى أعلى مستوى له على الإطلاق بعد تنظيم “يوم الطاقة” في مارس، حيث حدّدت الشركة عقداً من ابتكارات البطاريات المخطط لها في حدث صحفي تشابه بلا خجل مع “يوم البطارية” لشركة “تسلا”. بالطبع ستقاوم “تسلا” ولكن لن يتسامح المتنافسون مع قيمتها المتضخمة، وإذا هبط سهم “تسلا” تحت هذا الضغط، فإن ذلك لن يمنح شركة “إكسون” كثيراً من الراحة، لأن من شأن سوق السيارات الكهربائية الشديد الضراوة أن يزيد من الطلب على النفط بشراسة. كلا الرجلين لا يمكن أن يكونا على حق، ولكن كلاهما لا يمتلك المستقبل بأكمله أيضاً.

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm