الأخبار

جدل التضخم الذي يكدر الأسواق الأمريكية يواجه اختبار 2021

رغم أنهم لا يزالون أقلية، إلا أن المستثمرين والاقتصاديين الذين يعتقدون أن أمريكا تمر بنوبة تضخم -ربما تكون خطيرة- يبدؤون العام بذخيرة جديدة من الذرائع.

تحمل اللقاحات احتمالية إنهاء القيود التي فرضها انتشار الوباء، ما يمكن أن يعيد الانتعاش إلى المستهلكين. وإن ما يسميه الاقتصاديون الطلب المكبوت، تصنيف ينطبق تماماً على ما يجري في الوقت الحالي. من المرجح أن تدعم إدارة بايدن القادمة إنفاق الأسرة بمزيد من المساعدات المالية، بعد انتخابات مجلس الشيوخ هذا الشهر التي منحت الديمقراطيين الأغلبية. أما وراء الكواليس فنرى الدولار يضعف؛ فيما ارتفعت أسعار السلع بشكل مطرد لعدة أشهر.

دفع كل هذا مقاييس سوق السندات للتضخم المتوقع إلى الأعلى. وارتفع ما يعرف بمعدل التعادل على سندات الخزينة لأجل 10 سنوات أعلى من 2% في الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى له في أكثر من عامين.

ومع ذلك، كان الرأي السائد الحاسم بين الاقتصاديين، بمن فيهم الاحتياطي الفيدرالي، هو أن سنوات ستمر قبل أن تقلق الولايات المتحدة بشأن التضخم.

من المتوقع أن تظهر البيانات الصادرة يوم الأربعاء أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 1.3% في عام 2020. ومع ارتفاع التكاليف بالنسبة للمنتجين، يتوقع الجميع تقريباً معدلاً أعلى هذا العام. ولكن حتى نهاية عام 2022، لن يتجاوز الإجراء المفضل للاحتياطي الفيدرالي هدفه البالغ 2%، وفقاً لاستطلاعات رأي الاقتصاديين. ويقول مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إنهم يريدون أن يبقى التضخم أعلى من هذا المستوى لفترة من الوقت قبل أن يرفعوا أسعار الفائدة.

ويشير المشككون في التضخم إلى أن أسواق العمل لا تزال تعاني من الاكتئاب بسبب الفيروس، والاتجاهات الأعمق في التركيبة السكانية والتكنولوجيا التي تحافظ على انخفاض الأسعار، وخطر قيام السياسيين بقطع الدعم عن الاقتصاد في وقت مبكر جداً؛ كما فعلوا في الماضي القريب.

فهل يسير التضخم في طريق العودة؟ فيما يلي بعض الحجج الرئيسية لكل جانب.

نعم. لأن المضخات معدة

تم تعديل إعدادات السياسة بشكل أكبر نحو “التشغيل الساخن” عند نهاية الخط. كان الإنفاق المالي محرك التعافي من ركود فيروس كورونا. ولدى الرئيس المنتخب جو بايدن -الذي وعد ببذل المزيد من الجهد- طريق أوضح لإيصال خططه من خلال الكونغرس بعد فوز الديمقراطيين بمقعدي مجلس الشيوخ في انتخابات جولة الإعادة في جورجيا في 3 يناير.

تقول أنيتا ماركوسكا، كبيرة الاقتصاديين في “جيفريز” (Jefferies): “عادت أجندة بايدن إلى الساحة، ما يعني المزيد من التوسع المالي في المدى القريب”. تتوقع ماركوسكا أن تصل عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، التي ارتفعت فوق 1% في الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ انتشار الوباء في منتصف مارس، إلى 2% بحلول نهاية العام.

في هذه الأثناء، يبقى بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي لا يستطيع فعل الكثير لتسريع الاقتصاد في الوقت الحالي، مسؤولاً عن الكبح، ويعد بعدم استخدام الكوابح في وقت قريب. بعد تقصيره المستمر في تحقيق هدفه، أصبحت السياسة الجديدة للاحتياطي الفيدرالي تتمثل في السماح للتضخم بتجاوز المستوى والبقاء في مستواه الجديد، بحيث يبلغ متوسطه 2% بمرور الوقت؛ قبل رفع تكاليف الاقتراض لتهدئة الأمور.

الانتعاش على شكل حرف “V”

اقترب اقتصاد الولايات المتحدة من تحقيق انتعاش على شكل حرف “V” أكثر مما كان بادياً في وقت سابق من الأزمة، ويمكن للقاحات أن تكمل المهمة.

ينفق الأمريكيون بالفعل على السلع أكثر مما فعلوا قبل الفيروس، وإن لم يكن هذا هو الحال مع الخدمات بعد، فذلك يعود فقط لأن عمليات الإغلاق جعلت خيارات المستهلك بعيدة المنال، وهو الأمر الذي يجب أن يتغير مع تلقيح المزيد من الأشخاص.

يتوقع الاقتصاديون في “مورغان ستانلي” “انتعاشاً حاداً في الطلب، خاصة في القطاعات الحساسة لفيروس كوفيد مثل السفر والسياحة”، حيث سيجري طرح اللقاحات على نطاق أوسع في الربيع. كما يتوقعون أن يصل التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار أشياء مثل الطعام أو البنزين لأنها أكثر تقلباً، إلى عتبة 2% هذا العام وسيتجاوزها في عام 2022.

دخل الأسر المزدهر

أدت شيكات التحفيز وإعانات البطالة المرتفعة إلى ارتفاع دخل الأسرة بشكل إجمالي حتى مع تقلص الناتج الاقتصادي، ما يمثل مزيجاً نادر الحدوث. وساعد ارتفاع أسواق الأسهم والإسكان على إضافة أكثر من 5 تريليون دولار إلى صافي ثروة الأسر الأمريكية في عام 2020.

يقول مارك زاندي من “موديز أناليتكس” (Moody’s Analytics)، إن مدخرات الأشخاص ذوي الدخل المرتفع وكبار السن، الذين يُرجح أن يخضعوا للحجر الصحي الذاتي، تراكمت أثناء انتظار انتهاء الوباء. لقد فاتتهم أشياء مثل الرحلات إلى مصفف الشعر، والإجازات، والوجبات في الخارج -وهم “في وضع مالي جيد بشكل خاص لزيادة الإنفاق على هذه الخدمات بمجرد أن يشعروا بالأمان”.

لا. لأن هذه المرة ليست مختلفة

يعد الاختفاء التدريجي للتضخم أحد أكثر الاتجاهات رسوخاً في الاقتصاد. ولم تكن استجابة سياسة “الجميع إلى العمل” للوباء غير مسبوقة تماماً. بعد عام 2008 قامت الحكومة والاحتياطي الفيدرالي بضخ الأموال في الاقتصاد أيضاً، ما تسبب في توقع الكثيرين لحدوث تضخم لم يحصل أبداً. كان الإنفاق المالي أكبر هذه المرة- ولكنه الأمر عينه بالنسبة لثغرة الاقتصاد التي عليه ملؤها، وبالتالي لن تكون النتيجة مفرطة بالضرورة.

حتى الآن، يبدو هذا العقد مثل العقد الأخير، كما يقول بن ماي من “أكسفورد إيكونوميكس” (Oxford Economics): “واجهنا عجز الطلب خلال سياسة نقدية ومالية ميسرة ومرنة، ما أدى إلى تعزيز أسعار الأصول، لكن التضخم الأساسي في أسعار المستهلك بقي ضعيفاً”.

يكمن الدرس الآخر المستفاد من الأزمة المالية هو أن السياسيين الأمريكيين ليسوا دائماً المبذرين الذين يظهرون في رسومات الكاريكاتير الشعبية. لعلهم يعانون في الواقع من التحيز المعاكس نحو سياسة مالية أكثر تشدداً مما يحتاجه الاقتصاد. استنتج الاقتصاديون أن هذا ما حدث بعد انهيار 2008، ما أدى إلى تباطؤ الانتعاش. وبينما ترسخت وجهة نظر أكثر تسامحاً بشأن العجز منذ ذلك الحين، لا يزال حزب بايدن الديمقراطي يضم بين صفوفه ما يكفي من صقور الميزانية.

لا يزال هناك بطء

حتى المتنبئون المتفائلون يقولون إن الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعود الولايات المتحدة لتوظيف العديد من الأشخاص كما كانت في عام 2019، عندما كان معدل البطالة في أدنى مستوياته منذ نصف قرن.

عادةً ما يكون للاقتصاد الذي لا يستخدم جميع موارده المتاحة مثل العمالة مجال للنمو دون التسبب في حدوث تضخم. ويعد الدرس الرئيسي المستفاد من التوسع الطويل في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو أن تلك الموارد كانت أعمق مما كان عليه الاعتقاد السابق.

قد يكون هذا صحيحاً بالنسبة لاقتصاد ما بعد الوباء أيضاً. فعلى سبيل المثال، رفع بنك “غولدمان ساكس” توقعاته للنمو بعد انتخابات جورجيا ويرى الآن نمو الاقتصاد بنسبة 6.4% هذا العام -معوضاً جميع خسائر كوفيد وبعضاً آخر. لكنهم لا يزالون لا يتوقعون أن يتجاوز التضخم الأساسي 2% -ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة- حتى عام 2024.

ماذا تقول بلومبرغ إيكونوميكس

يعمل ضعف الدولار، وارتفاع أسعار الطاقة، والعبث في حساب الأجور الساعية “على إيجاد وهم بتزايد الضغوط التضخمية. لكن مع ذلك، سيتم التغلب على هذه التطورات المؤقتة في نهاية المطاف من خلال التباطؤ الاقتصادي الكبير. ولولا انهيار مشاركة العمال بسبب الوباء لاقترب معدل البطالة من 9.5% بدلاً من 6.7% التي تم الإعلان عنها مؤخراً. إذا كان معدل البطالة أعلى من 9%، وليس أدنى من 7%، لكان الخطاب بين دعاة التضخم أكثر صمتاً”.- كارل ريكادونا، كبير الاقتصاديين الأمريكيين.

الأحداث الفردية لا تهم

سيختفي الانخفاض المفاجئ في أسعار بعض الخدمات في ربيع 2020 من الحسابات السنوية في الأشهر المقبلة، ما سيؤدي إلى ارتفاع التضخم حتى لو لم تعد هذه الأسعار إلى وضعها الطبيعي.

لكن بالنسبة لاقتصاديي النقد، فلا تعد الأسعار المرتفعة تضخمية إلا عندما تثير التوقعات بارتفاع الأسعار في المستقبل، ما يولد زخماً يشبه كرة الثلج تصعب السيطرة عليه. كانت تلك تجربة أمريكا في السبعينيات، كما ذكر رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، للصحفيين في الشهر الماضي -ولكن ليس مؤخراً- وربما لن يحدث ذلك عندما ينتهي الوباء.

وردا على سؤال حول مخاطر الطلب المكبوت، قال باول إن الاحتياطي الفيدرالي يميل للنظر إلى أي زيادة ناتجة في الأسعار -تذاكر الطيران، على سبيل المثال- على أنها “زيادة في الأسعار لمرة واحدة، وليس زيادة في التضخم الأساسي “. وهذا ليس من شأنه دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى العمل.

المصدر: بلومبرغ

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm