الأخبار

رحلة عبر الزمن لاستكشاف جمال العلا

تحكي العلا، بين تشكيلات الصخور الرملية والمساكن القديمة، والمعالم الأثرية التي نحتتها يد الطبيعة بعناية، قصة مدينة ظلت ملتقى الحضارات القديمة على مدار التاريخ.

السفر إلى العلا أشبه برحلة عبر الزمن للتعرف إلى إرث إنساني عمره 200 ألف عام، فضلًا عن المواقع التاريخية الرابضة منذ قرون. واليوم، أصبحت بسحر طبيعتها الخلابة وجهة للسياح في فعالياتها ومهرجاناتها طوال العام.

وصلت إلى مطار العلا الدولي في رحلة دامت ساعة ونصف من مطار الملك خالد الدولي بالرياض على متن طائرة خاصة. وعند وصولي كانت في انتظاري سيارة مكشوفة رباعية الدفع، لتقلني في رحلة قصيرة إلى منطقة الاستقبال.

بدأ المطار في استقبال الرحلات الدولية عام 2021، ويمتد على مساحة إجمالية تقدر ب ـ2.4 مليون متر مربع، كما يتضمن مرافق وخدمات عديدة، منها الصالة التنفيذية التي صُممت وفقًا لأحدث المعايير بتقنيات متطورة وبنية تحتية متكاملة. وعلى أنغام آلة القانون استقبلنا موظفو المطار والهيئة الملكية لمحافظة العلا، معلنين بدء مغامرة جديدة بين أحضان متحف في الهواء الطلق.

إقامة بين الجبال

الصورة من المصدر

توفر العلا خيارات متنوعة، بدءًا من المنتجعات الفاخرة والفلل الراقية المجهزة بكافة وسائل الراحة، إلى الكرفانات من طراز “إيرستريم” المجهّزة بما يلزم خلال الرحلة. وأهم ما يميز هذه الخيارات جميعها أنها في أحضان الطبيعية والجبال الساحرة.

اخترت الإقامة في منتجع “هابيتاس العلا” في واحة تحيط بها صحراء وادي عِشار، بين بساتين النخيل ومنحدرات الحجارة الرملية. إنه فندق غير عادي، فمكان الاستقبال المجهز على شكل خيمة صحراوية بكل تجهيزاتها، تفوح منه رائحة القهوة العربية التي يسارع العاملون بتقديمها إليك إلى جانب التمر لحظة دخولك بهو المكان، وهذا من عادات دول المنطقة للترحيب بالضيوف.

أما غرف الفندق فهي مترامية بين أحضان الرمال، وتتوافر لكل منها مساحة خارجية خاصة، تتضمن جلسة عربية تطل مباشرة على الجبال. ويبلغ عددها 96 فيلا موزعة على 3 فئات: الفلل السماوية، وفلل الكوف، وفلل كانيون، بالإضافة إلى مساحة مخصصة لليوغا، ومركز ثريّا للاستجمام واللياقة البدنية، ومطعم تاما، وشرفة عِشار، ومسبح كبير بتصميم “إنفينيتي”. كما بنيت كل مساحة من هذه المساحات باستخدام مواد عضوية مصنوعة بطريقة مستدامة، لتتناغم مع محيطها الطبيعي.

ملتقى الحضارات

الصورة من المصدر

تقع العلا على بعد 1100 كلم من الرياض في شمال غرب المملكة العربية السعودية. وتتميز بالإضافة إلى طبيعتها الخلابة، بمجموعة من المواقع الأثرية البارزة التي يتجاوز عمرها 200 ألف عام. وقد استكشف جزء منها، بينما لا تزال عمليات التنقيب جارية للكشف عن المزيد.

قررت أن يكون الموقع الأثري لمدينة “الحِجر” النبطية القديمة، أول مكان استكشفه، فهو من أكثر الأماكن شهرة في العلا، وأول موقع سعودي مدرج على لائحة اليونسكو للتراث العالمي. في حين تضم الحجر اليوم أكثر من 110 مدافن أثرية منحوتة في التكوينات الصخرية لنخبة الأنباط الذين عاشوا في الفترة بين 100 قبل الميلاد إلى 106 بعد الميلاد .

لقد سمعت قصصًا مشوقة عن شعب الأنباط من الراوي الذي رافقني، فهي حضارة مزجت في نقوش مدافنها بين ما استلهمته من الرومان الذين غزو الأنباط عام 106 والفراعنة وأساطير الآلهة، كتعويذات نقشت على أبواب المدافن لمنع أي شخص من العبث بها.

في عام 2008، اكتشف علماء الآثار جمجمة امرأة نبطية عمرها أكثر من ألفي عام، أطلقوا عليها اسم “هينة”. وقد تم مؤخرًا محاكاة وجهها، وأُعيد تشكيله باستخدام التقنيات الحديثة. زرت قبر “هينة” وهو القبر الوحيد المسموح للزوار بالدخول إليه، وأخبرنا الراوي ونحن نتفحص هياكل القبور في المدفن العائلي، أنها أعدت مدفنًا لها ولـ80 شخصًا من أبنائها وأحفادها.

الصورة من المصدر

في اليوم التالي زرت مدينة دادان الأثرية، التي يعود تاريخها إلى أواخر القرن التاسع وأوائل القرن الثامن قبل الميلاد. وهي عاصمة مملكتي لحيان ودادان، اللتين أسهمت نصوصهما المكتشفة في تطوير اللغة العربية. وقد اتخذ شعب دادان من الجبال مدافن يبلغ ارتفاعها 50 مترًا فوق سطح الأرض، مما جعلني أتساءل حول كيفية نحتها دون وجود معدات بناء متطورة حينها.

فيما تم تمييز بعضها لعلية القوم بمنحوتات سميت بـ”الأسد الجاثم” كرمز للقوة والحماية. كذلك اشتهرت المنطقة بخصوبتها وزراعة أنواع مختلفة من المحاصيل.

أنهيت جولتي في مملكة دادان، ثم انتقلت بسيارة لاندروفر كلاسيكية، صنّعت لمحافظة العلا بشكل خاص وفقًا لما أخبرني به الراوي المرافق، إلى جبل عكمة الواقع في وادٍ صحراوي، وهو أشبه بمكتبة تضم مئات النقوش والكتابات بعدة لغات، وتعود إلى ما قبل حقبة اللغة العربية.

وعلى طول الطريق المؤدية للمعالم الأثرية النابضة بالحياة، تشعر كأنك تخاطب أشكال منحوتات لأشخاص عاشوا في الماضي ولا زالوا شاهدين على تفاصيل التاريخ الرابض خلف تلك الكتل الصخرية والأخاديد والجروف، التي تنوعت أشكالها بين البركانية والرملية. وتدفعك للسفر بمخليتك عبر الزمن لاستكشاف تفاصيل تلك المنحوتات التي ترى فيها وجوه أطفال ونساء، وأحيانًا تتشكل فيها صور حيوانات أو رؤوس آلهة فرعونية.

في حين تشكل الواحات التي تتخلل هذه الطرق جنة غناء، تظللها أشجار النخيل والحمضيات، وحقول القمح والشعير وبساتين الزيتون والتين والشوفان. كذلك تضم العلا نحو مليوني نخلة.

فعاليات سباقات الهجن

الصورة من المصدر

تسعى الهيئة الملكية من خلال مشروع تطوير العلا، إلى الارتقاء بمكانتها لتصبح وجهة عالمية للتراث والثقافة والتاريخ والسياحة الطبيعية. وتهدف أيضًا إلى جذب مليوني زائر سنويًا، والإسهام في رفع الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بقيمة 120 مليار ريال سعودي (حوالي 32مليار دولار) بحلول 2035 .

وخلال رحلتي للعلا استمتعت بمجموعة من الأنشطة والفعاليات، إذ تزامنت مع فعاليات كأس العلا لسباق الهجن، الذي يعد الأغلى عالميًا. وقد أقيم السباق في ملعب بيضاوي الشكل بمشاركة 40 من أفضل الهجن التي تسابقت على مدى 16 شوطاً، بواقع 6 أشواط مخصصة لرياضة الماراثون، و10 أشواط للسباقات. بينما بلغت قيمة الجوائز الإجمالية للمسابقة أكثر من 80 مليون ريال، (حوالي 21.3 مليون دولار) وزعت على الفائزين في حفل الختام.

وتعد الجمال جزءًا من الموروث الثقافي السعودي، حيث تشهد على ذلك النقوش التي رأيتها في جبل عكمة، وفي باقي المناطق الأثرية التي كانت ممرًا للقوافل التجارية. كما يعود تاريخ سباقات الهجن إلى القرن السابع مما يجعلها واحدة من أقدم الرياضات الشعبية في المملكة. يقول عمرو بن صالح المدني، الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمحافظة العلا: “إن سباقات الهجن رياضة الأجداد التي انتقلت عبر الآباء إلى الأبناء، وحظيت باهتمام ودعم كبيرين من قبل القيادة الرشيدة”.

وقد شهدت البطولة توافد عدد كبير من السياح من أميركا وأوروبا، كان من بينهم النجم العالمي ويل سميث الذي حرص على الحضور لتشجيع فريق صديقه “سويز بيتز” المشارك في “سنام السباقات”.

وبعد انتهاء أشواط السباقات، ترجلت عبر جولة في القرية التراثية، المجاورة للمكان والمصممة بشكل خاص لاستضافة فعاليات كأس العلا للهجن، والتي تضمنت العديد من الأنشطة المتنوعة يوميًا، شملت عروضًا فنية وموسيقية وثقافية. بالإضافة إلى مجموعة من خيارات الترفيه والمطاعم وأكشاك الطعام والمتاجر، التي تحاكي أجواء القوافل التجارية القديمة. فضلًا عن المقاعد المريحة على مدرج قريب من مضمار السباق، ومعارض فنيّة وحرفية تظهر الثقافة العريقة للهجن.

انتهت رحلتي في العلا، التي سافرت من خلالها نحو أزمنة عدة، وعايشت في معالمها حضارات عديدة، وتفحصت ملامح وجوه منحوتات بدت كأنها تحكي قصة تاريخ مجيد، سأعود إليها قريبًا للاستمتاع بباقي تفاصيلها.

*تم تنظيم وتغطية تكاليف هذه الرحلة الإعلامية من قبل الهيئة الملكية لمحافظة العلا.

السعوديةمامي إلى فريق عمل فوربس عام 2018.

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm