الأخبار

سنغافورة صاحبة أعلى معدّل ملْكية منازل في العالم..لماذا؟

في فيلم “Crazy Rich Asians”، تتنقل الشخصيات الرئيسية لتسكن إمَّا بين القصور الفخمة، أو في الفنادق من الحقبة الاستعمارية في سنغافورة، لكنَّ الحقيقة مغايرة لذلك؛ إذ تعيش الغالبية العظمى من العائلات في وحدات سكنية متواضعة الحجم داخل بنايات شاهقة، ومزدحمة شيَّدتها الحكومة، وقد تستدعي إلى الأذهان صوراً للمعضلة الحضرية التي يواجهها ذوو الدخول المنخفضة في بعض الأحيان، غير أنَّه في حالة سنغافورة تحافظ الدولة على تلك الضواحي الخرسانية بشكل جيِّد جداً، كما تُجدَّد الوحدات السكنية بشكل رائع مِن قِبل مالكيها، عادةً، بمساعدة مصممي الديكور الداخلي المحترفين، وباستخدام أفضل المواد.

سكن رخيص للمتزوجين حديثاً

فكيف أصبحت واحدة من أغلى أسواق الإسكان في آسيا قادرة على توفير سكن منخفض التكلفة لكل المتزوجين حديثاً ؟، وهي التي تتمتَّع بأكبر تجمُّع من المليونيرات في العالم، إذ تباع فيها شقق “البنتهاوس” الفاخرة مقابل 74 مليون دولار سنغافوريّ (ما يعادل 54 مليون دولار)؟

ترجع إجابة هذ السؤال إلى قرار اتخِذَ قبل أكثر من نصف قرن، وأعطى السنغافوريين -الأغنياء منهم والفقراء على حدٍّ سواء- حصة مباشرة في ازدهار البلاد، وجعل سنغافورة تتمتع بأحد أعلى معدلات ملْكية المنازل في العالم، على الرغم من سكن أكثر من 80 % من سكانها في شقق بَنَتها الحكومة.

ومع أنَّ غالبية الزوار يربطون الإسكان، والطراز المعماري للدولة الآسيوية بأكواخها الأنيقة ذات الطابق الواحد، والمبنية على الطراز الاستعماري باللونين الأبيض والأسود، كمبنى أنيق لا يحده الزمن، ويمزج الهندسة المعمارية المصممة للتخفيف من الحرارة الاستوائية بعناصر فيلا ريفية إنجليزية، التي كانت منازلَ الموظفين المدنيين البريطانيين، وكبار المسؤولين يوماً ما ؛ فإنَّ معظمها اليوم مملوك للحكومة التي تؤجرها للمغتربين الأثرياء. وقد حققت تلك المنازل المتاحة للبيع الخاص أرباحاً، تصل قيمته إلى 218 مليون دولار سنغافوري (الدولار السنغافوري = 0.74 دولاراً ).

سبب ازدهار الإسكان في سنغافورة

حالياً، لم يبقَ سوى نحو 500 من تلك الأكواخ في سنغافورة، وتتميز عشرات منها فقط بكونها منازل كبيرة مستقلّة ذات شُرفات فخمة تطلُّ على مُروج منحدرة وحدائق، ويبقى البطل الحقيقي وراء ازدهار الإسكان المدهش في سنغافورة بأصول أكثر تواضعاً بكثير من هذه الأكواخ الجميلة.

في عام 1959، واجهت المدينة، التي تتمتع بالحكم الذاتي حديثاً، أزمة كبيرة. فقد اجتذب نجاح الميناء على مدى قرن ونصفٍ مئات الآلاف من المهاجرين القادمين من الصين، وماليزيا، والهند، وأجزاء أخرى من آسيا، لكنَّ بناء المساكن الحكومية والخاصة فشل في مواكبة ذلك الزحف.

وكان الازدحام المفرط السمة العامة في كلِّ مكان مع شوارع تضمُّ منازل متعددة الطبقات، متجمعة حول نهر سنغافورة، وكانت غالباً ما تُقسَّم إلى شقق صغيرة مكونة من غرفة واحدة، وتعيش فيها أُسَر بأكملها. كما أقام العديد من المهاجرين في أحياء عشوائية كثيفة السكان، دون وجود مرافق صحية مناسبة، وزادت مع كل هذا حدَّة التوترات العرقية.

الحلُّ الذي تبنّته الحكومة في عام 1960 كان إنشاء مجلس الإسكان والتنمية، المكلف زيادة المعروض من المنازل للفقراء لاستئجارها بسرعة. في العام التالي، وبعد ظهر عيد الأضحى، أحد أكبر الأعياد الإسلامية، اندلع حريق في مدينة بوكيت هو سوي المليئة بالأكواخ، مما أدَّى إلى تجريف منطقة بحجم ثمانية ملاعب كرة قدم مليئة بالأحياء الفقيرة المكتظة بالسكان، وتُوُفّ إثر هذه الحادثة أربعة أشخاص وشُرِّد 16 ألف شخص. في غضون عام من ذلك، تمكَّن مجلس الإسكان والتنمية من إعادة إسكان الناجين، ليكسب بذلك ثقة الناس. ومع حلول منتصف العقد كان المجلس قد وفَّر السكن لـ400 ألف شخص.

إحدى شقق مجلس الإسكان والتنمية في سنغافورة
إحدى شقق مجلس الإسكان والتنمية في سنغافورةالمصدر: مجلس الإسكان والتنمية في سنغافورة

بداية المشروع

إنَّ بناء هذا النوع من الشقق شهد في بدايته تقشفاً صارماً، إذ كانت البنايات عبارة عن كتل أسمنتية ضخمة تصل إلى 10 طوابق، يضمُّ كل منها 12 شقة، تربط بينها ممرات تمتدُّ بطول المبنى.

وبالرغم من توفُّر الماء والكهرباء؛ فإنَّ الشقق لم تحتوِ على أيَّة إضافات أخرى غير “مرحاض القرفصاء”، ودُش في الحمام الصغير، ومغسلة في المطبخ. لكنها كانت نظيفة وآمنة، والأهم من ذلك الحفاظ عليها بصورة جيدة.

وفي حين ساعدت إجراءات الحكومة على حل أزمة الإسكان، كان قرار البدء في عرض الشقق المدعومة حكومياً للبيع في عام 1964 بمثابة وضع حجر الأساس لنجاح العقارات في سنغافورة، إذ بِيع ألفا شقة مكونة من غرفتين، وثلاث غرف نوم للمواطنين ذوي الدخل المتوسط-المنخفض في عقار جديد بمقاطعة كوينزتاون مقابل 4900 دولار سنغافوري لكل شقة. وكمعظم مبيعات مجلس الإسكان والتنمية، فقد عُرضت الشقق للإيجار لمدة 99 عاماً، ومُنع المشترون من إعادة بيع العقار مدَّة خمس سنوات على الأقل.

وبمجرد انتهاء فترة السنوات الخمس؛ فإنَّه من المرجَّح أن يحقق أصحاب الشقق في المُجمعات المرموقة أرباحاً كبيرة. وحتى اليوم، وفي تلك البنايات في كوينزتاون، يمكن بيع وحدة غير مؤثثة من غرفتَي نوم مقابل نحو 220 ألف دولار سنغافوري، في حين يتبقى 43 سنة فقط على انتهاء عقد الإيجار. وفي عام 2016، قُدِّر إجمالي قيمة إعادة بيع شقق مجلس الإسكان والتنمية في سنغافورة بأكثر من 400 مليار دولار سنغافوري.

إنَّ البنايات التي شُيِّدَت بطريقة تشبه الأحياء، كنماذج مصغرة للمدن، تحوي ملاعب، وأماكن للطعام، ومتاجر محلية. أمَّا البنايات في الأحياء الأكبر، مثل كوينزتاون فتضمُّ عيادة صحية، ومركزاً مجتمعياً، ومكتبة. ومثل معظم الأشياء في الاقتصاد المخطط بدقة في سنغافورة، فقد توحدت إدارة العقارات في سياسات تضمَّنت كل شيء، بدايةً من تصميم نظام النقل الجماعي في المدينة، إلى التكامل، والتناغم العرقي.

وفي إطار السياسة التي بدأ تطبيقها عام 1989، تتطلَّب الأحياء التى بناها مجلس الإسكان والتنمية حدَّاً أدنى من الإشغال لكل من المجموعات العرقية الرئيسية في المدينة الصينية، والماليزية، والهندية، وذلك لمنع تشكيل “التكتلات العرقية”. وتواصل الحكومة تنفيذ ما وصفه أحد كبار الوزراء ذات مرة بـ”السياسة الاجتماعية الأكثر تدخلاً في سنغافورة” لتشجيع التناغم الاجتماعي.

وتُعدُّ بنايات مارين بيريد أحد أشهر العقارات التي شيدها مجلس الإسكان والتنمية، التي سُميَّت تيمناً بمتنزَّه ساحليّ اندثر منذ فترة طويلة. وهذه البنايات كانت الأُولى التي تتخذ مساحة كبيرة من الأراضي المستصلحة على طول الساحل الجنوبي الشرقي للجزيرة.

وفي الموقع الذي كان في السابق قرية كامبونج الهادئة، ذات المنازل الواقعة بين أشجار جوز الهند على طول الشاطئ الرملي، أصبح الآن موطناً لنحو 21600 نسمة يقيمون في أكثر من 7800 شقة.

ويُذكر أنَّ مارين بيريد كان قد بُنِيَ في السبعينيات، وهو واحد ضمن قلّة من مشروعات مجلس الإسكان والتنمية، التي لم يُضَف المزيد من البنايات إليها بعد جدول البناء الأصلي، ولم يُهدَم أيّ منها حتى الآن.

هذه العقارات المهيبة، التي يفصلها الآن عن البحر متنزَّه عام بمساحة 300 متر، وطريق سريع من ستة خطوط، تُعَدُّ أنموذجاً لمخططات مباني مجلس الإسكان والتنمية، بما في ذلك بناية بوينت بلوك التي يرتفع الطلب عليها، وتبلغ 25 طابقاً.

كما تتميز مخططات الشقق لهذه العقارات بالعملية، والكفاءة لتحقيق أقصى استفادة من المساحة، إذ تؤدي غرف النوم، والمطبخ مباشرة إلى غرفة المعيشة. وكما هو موضَّح في الرسم التخطيطي أعلاه، يضمُّ العديد من الشقق مخزناً، أصبح في جميع الشقق التي بُنِيَت منذ عام 1996 ملجأً ضد القنابل بجدرانه الخرسانية المسلحة، وبابه الضخم من الصُّلب لحماية شاغليها في حالة مهاجمة الجمهورية.

ومؤخراً، عُرِضَ أحد الطوابق في بناء مارين بيريد، يتميز بإطلالة شاملة على البحر، للبيع مقابل أكثر من مليون دولار سنغافوريّ، وذلك بالرغم من بقاء نحو 53 عاماً فقط على انتهاء عقد الإيجار.

وفي حين ركَّز العديد من الحكومات في برامج الإسكان العام على أفقر أفراد المجتمع، مما كدَّس في كثير من الأحيان المباني الخرسانية التقشفية الضخمة في الأحياء الفقيرة، فإنَّ هذه المنازل تمثِّل لمواطني سنغافورة أكبر حصة حصلوا عليها من ازدهار البلاد. ولم يحافظ مجلس الإسكان والتنمية على مبانيه، وأراضيه بعناية فحسب، بل طوَّر أيضاً العقارات بشكل دوريٍّ من خلال تركيب مصاعد جديدة، وتحديث شكل الممرات، والواجهات.

أداة سياسية

المكسب المالي المحتمل من قيمة الشقق أصبح مهماً جداً لمواطني سنغافورة، لدرجة أنه استُغِلَّ كأداة سياسية، إذ أعلن حزب العمل الشعبي الحاكم في الثمانينيات أنَّه سيعطي الأولوية لصيانة العقارات في الدوائر الانتخابية التي انتخبت عضو الحزب، ولم يخسر الحزب انتخابات عامة قط.

تمتلك سنغافورة الآن أكثر من مليون شقة في مشروعات مجلس الإسكان والتنمية، وخلال السنة المالية الماضية سلَّمت الحكومة ما لا يقلُّ عن 16600 وحدة سكنية جديدة، وما يقرب من 70 ألف وحدة أخرى قيد الإنشاء. وبمرور الوقت، تطوَّر مجلس الإسكان والتنمية، وأصبحت مشاريعه أكثر حداثة وتعقيداً.

وعلى الرغم من أنَّ معظم المشروعات لا تزال بمثابة امتداد لمجموعة بنايات كوينزتاون القديمة بصورة واضحة، التي كانت تتكوَّن في بدايتها من منازل تتمتع بالحد الأدنى من الإضافات، فقد أصبح بعضها اليوم فاخراً، وشبيهاً بمشروعات المجمعات السكنية التي تعمرها شركات التطوير الخاصة.

وفي الجهة المقابلة لواحد من مجمعات كوينزتاون السكنية الأصلية، تتمركز أبراج “سكاي تيراس داوسون”، التي تُعَدُّ أحدث إضافة إلى مجموعة كبيرة من الأبراج العقارية، ويصل ارتفاعها إلى 47 طابقاً، مع حدائق على أسطحها تزيد على 400 قدم فوق مستوى الأرض، فضلاً عن الحدائق التي تربط الأبراج بعضها مع بعض.

وعندما عرضت الحكومة شققاً للبيع في عام 2009 قبل بدء البناء، بدأت الأسعار المدعومة للوحدات المكونة من أربع غرف من 373 ألف دولار سنغافوري للوحدة. وعندما انتهت فترة الحدِّ الأدنى للملكية هذا العام، عُرِضَت الشقق المكونة من أربع غرف للبيع بأكثر من 800 ألف دولار سنغافوري. أمَّا الوحدات السكنية الأكبر في المشروع، التي تتمتَّع بشرفات مطلة على ضاحية “ديمبسي هيل”، وشوارعها المليئة بفيلات المليارديرات، ومنازل السفراء، فقد تجاوزت أسعارها بالفعل حاجز مليون دولار سنغافوري. وأما بالنسبة إلى برنامج إسكان ميسّر، فيمكن أن يكون هذا معياراً جديداً.

المصدر بلومبرغ

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm