الأخبار

فنادق البهو المفتوح إرثٌ معماريٌ يغزو العالم

إذا دخلت أحد الفنادق، ووجدت نفسك تحاول التعرُّف على ملامحه وتفاصيله غير المألوفة، فعلى الأرجح أنك في فندق مبني بأسلوب البهو المفتوح. وهي طريقة بناء أميركية بامتياز. وتشمل هذه المباني غرفاً مخصَّصة للنوم، وأخرى للمحاضرات، أو حفلات الكوكتيل، وأكثر من ذلك بكثير.

إنَّه عبارة عن مرفقٍ يتمحور بناؤه حول غرفةٍ مركزية ضخمة، ويحتوي على دزينةٍ أو عدَّة دزينات من الطوابق الممتدة صعوداً نحو السماء. وستجد في البهو الضخم الحانات، والمطاعم، والحدائق، والطيور، وقد تجد مركباً أو اثنيْن.

هذا النوع من الفنادق، لم يعد يُبنى كثيراً اليوم، إلا أنَّ الأميركيين اخترعوا نموذج البناء المميز هذا، وأتقنوه، وصدَّروه للعالم (حيث يستمر بالازدهار). وكان يُنظر في البداية إلى فنادق البهو المفتوح، التي صُممت بفائضٍ صارخ، على أنَّها مبهرجة للغاية بالنسبة لأساليب العمارة الحديثة. وكذلك وصفت بكونها مسرفة للغاية. وأما بالنسبة لعدّة مراقبين، فهي توحي بكل شيءٍ، بداية من مدن الألعاب إلى مدن الفساد. ولكن في ذروتها، وعدت هذه المباني بتقديم مشهدٍ لا مثيل له، ووفت بوعدها.

وكان المتعهد العقاريُّ”تراميل كرو” وهو أحد أشهر الأشخاص في مدينة دالاس الأمريكية، قد شكَّل مصدر إلهامٍ لهذا الطراز في البناء من خلال مركزه التجاري الضخم في دالاس، الذي يتميَّز بالبهو المفتوح، إذ تمَّ بناؤه عام 1958. إلا أنَّ شريكه، المهندس المعماري، ومتعهد البناء في أتلانتا”جون بورتمان”، كان هو من كيَّف الشكل وبناه على نحوٍ عملاق. وذلك عندما افتتح فندقه “حياة ريجنسي أتلانتا” في عام 1967، محدثاً ضجةً كبيرة على الفور. ولتصبح منذ حينها العلامة التجارية “ريجنسي حياة” معروفة بالبهو المفتوح. وسرعان ما انتقل بورتمان للعمل لصالح عدَّة سلاسل أخرى، من ضمنها “ماريوت” (Marriott)، و”ويستين” (Westin). وأصبح البهو المفتوح فيما بعد ميزةً دائمة لمعظم فنادق “إيمباسي سويتس” (Embassy Suites).

“بورتمان” لم يتَّخذ تدابير وسطية في فنادقه. فمثلاً عند النظر إلى ارتفاعها المهيب، نجد أنَّ فندقه الأول، “حياة ريجنسي أتلانتا”، مؤلَّف من 22 طابقاً؛ و”ماريوت ماركيز” في مدينة نيويورك مؤلَّف من 37 طابقاً؛ أمَّا “ماريوت ماركيز” في أتلانتا فهو مؤلَّف من 50 طابقاً. ووحده برج العرب في دبي، الذي افتُتح عام 1999، تمكَّن من التغلب على أطول بهوٍ مفتوح لـ”بورتمان”.

البهو الفندقي نموذج معماري يطغى على تصميمات السلاسل العالمية ومنها "ماريوت"
البهو الفندقي نموذج معماري يطغى على تصميمات السلاسل العالمية ومنها “ماريوت”المصدر: بلومبرغ

تقتصر ميزة الطوابق الكثيرة على المنظر الهائل لها من البهو فحسب، بل إنَّ الرواق في كل طابق تحوَّل إلى شرفةٍ كبيرة تطلُّ على البهو. وداخل هذه المساحة الضخمة المركزية، امتلأت فنادق”بورتمان” بإضافاتٍ تجميلية. وعن ذلك، كتب المؤرخ المعماري في جامعة التكنولوجيا في سيدني “تشارلز رايس” في كتابه “التمدُّن الداخلي: فن العمارة، و”جون بورتمان”، ووسط المدينة في أميركا”: “داخل هذه الفنادق يتنقل المرء بين مجموعةٍ من المهام والتجارب كما يفعل تماماً في المدينة: من المنزل إلى الحديقة، إلى ساحة المدينة، مروراً بالمقهى، والحانة.”

ولكن، يرى بعض النقَّاد أنَّ مشكلة فنادق البهو المفتوح تكمن في أنَّها تميل إلى ابتكار تمدُّنٍ جديدٍ محصورٍ بالداخل فقط، كما يشير إليه عنوان كتاب رايس. فالمحال التي كانت واجهتها تطل على الشوارع من قبل، أصبحت في الداخل، واستُبدلت هذه الواجهات بجدرانٍ فارغة ومداخل يُصعب إيجادها. وقد يكون أسلوب البناء هذا جذَّاباً خلال فترة الأزمة المدنية، والتدهور المدني في السبعينيات والثمانينيات، إلا أنَّها فقدت بريقها مع استعادة المدن مكانتها، وأصبحت شوارعها تعجُّ بمعالم الجذب من جديد.

نقل المدينة إلى الداخل

يعدٌّ البهو المفتوح ميزة معمارية قديمة، ولكن من النادر إيجاده في ناطحات السحاب، كونه ينطوي على هدر مساحةٍ قابلة للتأجير. وهناك بضعة نماذج سبَّاقة في هذا الطراز فيما يخص الفنادق. وقد يكون فندق “براون بالاس” من الأوائل، وهو الذي تمَّ بناؤه في دنفر عام 1892، ليحتوي على بهوٍ مفتوح يعلوه زجاجٌ ملوَّن، ويتألف من سبعة طوابق. كذلك هناك فندق “ويست بايدن سبرينجز” في فرنش ليك بولاية إنديانا، الذي افتُتح عام 1902، ويضمُّ بهواً مفتوحاً بِقُطْرِ 200 قدم ( 1 قدم = 0.30 متراص).

وبالعودة لـ”بورتمان”، الذي لم يصمم بهوه المفتوح الأول في فندقٍ، بل في برج للمساكن العامة التي أسَّسها “أنطوان غرايفز”عام 1965 في أتلانتا، ولم يتبقَ منها شيئاً الآن. ويقول مايكي شتاينبرغ، وهو مهندس إنشاءات عمل على العديد من مشاريع “بورتمان” الأولى، إنَّ الفكرة كانت بسيطة، فقد كان المهندس المعماري يحاول توفير بعض المساحة الاجتماعية والتهوية للمالكين. إذ لم تكن المباني مكيَّفة. ويستذكر “شتاينبرغ” ما قاله”بورتمان” حينها: “إذا كان هناك ثقب في وسط المبنى، سيتمكَّن الناس من الخروج والتحدُّث بعضهم مع بعض، وسأتمكن من الحصول على بعض التهوية في المبنى.”

وتردد المفهوم في ذهن”بورتمان” مجدَّداً بعد عامين، وذلك أثناء عمله على تصميم فندق “حياة ريجنسي”. ويقول “شتاينبرغ”: “لم يكن ينطوي الأمر على فلسفةٍ عظمى لأسلوب هندسةٍ معمارية، فقد تمَّ تصميمه ليرغب الناس بالوجود هناك.”

البهو الفندقي نموذج معماري يطغى على تصميمات السلاسل العالمية (القصر البني"
البهو الفندقي نموذج معماري يطغى على تصميمات السلاسل العالمية (القصر البني”المصدر: بلومبرغ

وصُمِم الفندق حينها لتشجيع الأشخاص على الوجود في أتلانتا، التي كانت منطقة الأعمال المركزية بها في انحدار. واستذكر”شتاينبرغ” نيّة”بورتمان”: “سأبتكر مساحةً يرغب الناس في الوجود بها، لأنَّ وسط المدينة في أتلانتا لم يعد يتضمَّن ذلك الآن.”

وقد أعاد البهو المفتوح الشديد الارتفاع والمصمَّم بأسلوب”بورتمان”، إحياء تقليدٍ من القرن التاسع عشر. وهو بهو الفندق الكبير، مع مطاعمه، وصالات الرقص، ومعالم الجذب الأخرى الخاصة به. ففي حقبة الفنادق الصغيرة والرخيصة (الموتيلات)، كانت تقتصر هذه المساحات في أغلب الأحيان على مكتبٍ للمعاملات فقط. (لدرجة أنَّك كنت تذهب إلى مكانٍ آخر للحصول على الثلج.) وراهن”بورتمان” حينها على أنَّ النزلاء سيحتضنون هذه المشاهد والأنشطة من جديد.

ومما لا شكَّ فيه أنَّ أسلوبه كان مختلفاً. وشرح”بورتمان” في مقابلة: “أردت أن أفتحه. فقلت حسناً، لنزيل المصاعد من الجدران، ولتتوسط المكان، وبعد إزالتها توالت الأمور. وكان الأمر بمثابة نقل تمثالٍ كبير وضخم. إنَّه تصميم لمساحة في قلب مساحة”.

ويقول”شتاينبرغ”: إنَّ مفهوم البهو المفتوح لم يجذب رجال المال في البدء. فقد ألقى”بيل ماريوت” نظرةً على التصاميم وقال: “لا تضيِّعوا وقتكم عليه. إنَّ الفنادق الصغيرة هي ما يهم.” في حين أسمى”كونارد هيلتون” تصاميم البهو المفتوح بـ”الوحش الإسمنتي”. ثمَّ ظهر منقذٌ لم يكن معروفاً وقتها، ألا وهو”دون بريتزكر”، الذي كانت سلسلة فنادقه الناشئة “حياة” تضم ثلاثة مواقع فقط.

وكان رهان من آمن بالفكرة في موقعه، فمع افتتاح فندق “حياة ريجنسي أتلانتا”، تخطَّت الزيارات في الأشهر الأربعة الأولى التوقعات للسنوات الخمس الأولى. واصطف الزائرون ليستخدموا المصاعد الزجاجية صعوداً وهبوطاً فقط. واتُّبعت “حياة” نموذجها الناجح، إذ بنت مواقع إضافية تضم بهواً مفتوحاً في السبعينيات والثمانينيات.

ويقول”شتاينبرغ”: إنَّ المساحة الهائلة شكَّلت عامل جذبٍ ضخم، فقد فتحت فكرة ممرات الفندق الحضرية المنيرة، التي تكون عادةً مظلمة. وأضاف: “كان الأمر مختلفاً عن وجود بهوٍ صغيرٍ للغاية، حيث تدخل ومن ثَمَّ تستخدم المصعد للوصول إلى غرفتك.”

وفي حين تابع”بورتمان” بناء فنادق أكبر وأكثر تطوراً ذات بهوٍ مفتوح، بدأ يلعب بالتصميم. وقال”شتاينبرغ”: “أراد أن يكون البهو المفتوح مثيراً أكثر للاهتمام، لذا قسَّمناه إلى مساحاتٍ أصغر.” وأصبحت الخطوط المستقيمة دائرية الشكل، واستدلت الأشكال الهندسية المختلفة بدوائر، وأشكال هيكلية.

أفكار قديمة بصورة أكثر حداثة

وللتخفيف من حدَّة الحواف والزوايا الخشنة، اعتمد”بورتمان” فكرةً قديمةً أخرى، وهي الحدائق المعلَّقة. وقال “شتاينبرغ”: “كان كل شيء إسمنتياً ، لذلك وضعنا نبات اللبلاب في الأحواض؛ وكانت معلَّقة في كلِّ مكانٍ، ونجحت بتليين مظهر المبنى.”

ولم يكن من السهل ربَّما المحافظة على كل هذه النباتات، وتبيَّن أنَّها تتطلَّب المزيد من العمل في مواقع الفنادق في ديترويت وأتلانتا.

تحديات البستنة الداخلية

عمل”بروكس أوبراين” اختصاصيَّاً في أعمال البساتين على مدى 34 سنة في منتجع ومركز مؤتمرات “جايلورد أوبريلاند” (Gaylord Opryland) في ناشفيل. الذي تمَّ بناؤه عام 1977 ليتضمَّن فندق “أوبريلاند”، وتمَّ توسيعه بعد ذلك بشكلٍ متكرر.

وداخل المبنى يمتدُّ البهو المفتوح الذي يحوي أكثر من 10,000 نبتة. في حين تعادل درجات الحرارة في الداخل نحو 22 درجة مئوية. ويقول”أوبراين”: إنَّ الحرص على صحة الزوار وراحتهم؛ تضمن الاعتناء بالنباتات أيضاً. والقاعدة التي تشرح عمله هناك تتمثل كما يقول: “إنَّ زرع أمرٍ ما في الداخل هو ببساطة, ليس كزرعه في الخارج.”

ففي فنادق”بورتمان” ذات البهو المفتوح، تمَّ وضع أنظمة أنابيب شاملة لسقي النباتات. إلا أنَّ ذلك كان مجرَّد بداية التحدي. لأنَّ البستنة الداخلية واسعة النطاق، ولم تكن في تلك الفترة تمارس خارج نطاق الحدائق النباتية (فقد كان من الأسهل تحديد درجات الحرارة، أو مستويات الرطوبة، التي تكون مزعجة للبشر إذا امتدَّت لساعات). وكان المهندسون المعماريون يأملون في البداية أن تزدهر النباتات في الداخل، وذلك بمعزلٍ عن تقلُّبات الطقس في الهواء الطلق.

إلا أنَّ الأمر لم يكن كذلك. فقد انطوت التجارب المبكرة في البستنة الداخلية على خسائر كبيرة، وكان من الصعب المحافظة على النباتات في البيئات الاصطناعية. وتمثَّلت الثغرة الأساسية في محاولة زرع نباتاتٍ من مناخاتٍ معتدلة في الداخل. وقد تمَّ إغفال أنَّ هذه الكائنات تعتمد على فترات خمولٍ أبرد، وهو ما أدَّى إلى موتها في الفنادق. لذا انتقل التركيز على النباتات الجنوبية، ولكن أيضاً النباتات الاستوائية فشلت بالكامل، إذ لا يريد أحد بهواً مفتوحاً تصل نسبة الرطوبة فيه إلى 90٪. وأصبحت بعدها النباتات شبه الإستوائية من أميركا الوسطى، وآسيا هي المعيار لهذه الحدائق المعلَّقة.

ويقول”أوبراين” إنَّ بعض النباتات تنمو بسرعةٍ هائلة، ويضيف: “هناك بعض الأشجار التي قٌطِع منها ما يتراوح من 10 إلى 12 قدماً كل عام، لأنَّها تحاول الوصول إلى الضوء. وهناك بعض الأشجار التي لا يمكن تشذيبها، ويجب إزالتها عندما تطال السقف. أمَّا بعضها الآخر، فتتساقط أوراقه بشكلٍ متكرِّر على مدار السنة. وتعدُّ نبتة (الأفروكاربوس) مثالاً للنباتات المتعبة. ولذا لم نعد نزرع هذه الشجرة أبداً. إذ تتساقط آلاف الأوراق منها في اليوم. ويمضي البستاني ساعةً كل يومٍ في تنظيفها.”

وهناك تحدّياتٌ أخرى للبستنة الداخلية؛ فالتربة تتحلل بسرعة في الداخل، ويتوجَّب استبدالها. كما لا يمكن استخدام المبيدات التقليدية، لأنَّها قد تشكِّل خطراً على حياة الزائرين (صابون المبيدات الحشرية هو البديل). وفي ظلِّ غياب الأمطار، عليك تنظيف النباتات من الغبار كما تنظِّف أيَّة قطعة أثاث أخرى. كذلك فإنَّ الاختلافات في نسبة الضوء المطلوبة تكون غامضة أحياناً، لا سيَّما في البهو المفتوح الطويل. ويقول”أوبراين”: “قد يكون لديك مبنى يضمُّ 30 طابقاً. ويكون لديك نبتتان أو 3 على مسافة 10 أقدامٍ من بعضهما، وعلى الرغم من ذلك تتلقَّى جميع النباتات نسب ضوءٍ متباينة جداً.”

وكان”أوبراين” قد اكتسب مفهوماً جيداً عمَّا تحتاج إليه بعض النباتات، ولكن بالنسبة لنباتاتٍ أخرى، لا يزال الأمر غامضاً بالنسبة له. ويقول: “بإمكان ضيوف الفندق ترك ملاحظة إذا لم يكونوا مرتاحين، بينما النباتات لا يمكنها ذلك، علينا أن نعرف بأنفسنا.”

وسيلة للرفاهية وعرض الفنون

ومع افتتاح فنادق “حياة ريجينسي” الجديدة في كلٍّ من هيوستن، ونيو أورلينز، ودالاس، وميلووكي، وشيكاغو، وغيرها، بدأ المقلِّدون لطراز المعمار هذا ينتشرون في كلِّ مكان. وقد يكون منتجع عالم ديزني هو المبنى الوحيد الذي يحتوي على قطارٍ في وسطه، ولكن يمكن القول إنَّه كان أقل إسرافاً مقارنةً بعددٍ من أقرانه.

فقد أثبت البهو المفتوح أنَّه مكانٌ راقٍ لعرض الفنون الفاخرة؛ فقد كانت جدارية الأخدود العظيم (Grand Canyon) لرسامة الرسوم المتحركة”ماري بلير”، تهدف إلى إضفاء حيويةٍ على تأثير الإسمنت في فندق ديزني. كما وُضعت جدارية مدهشة للرسام الأميركي”ريتشارد هاس”داخل فندق “حياة” الذي صممه المهندس المعماري”غراهام غوندا”في كامبريدج. في حين تضمَّن فندق “حياة ريجينسي غراند سايبريس” في أورلاندو ببغاوات في بهوه.

ويحتوي بهو فندق “جي دبليو ماريوت ديزرت سبرينغر” في “بالم سبرينغز” على بركةٍ مع مراكب. وتمَّ بناء فندق “هاري ويزيز كراون سنتر” (Harry Weese’s Crown Center Hotel) في مدينة كنساس فوق منحدرٍ كلسي مساحته 70 قدماً، وهو الذي تُرك معروضاً كقطعةٍ مركزية في بهو المبنى. كذلك تكرر في فنادق مختلفة وجود المطاعم الدوارة، سواء في أتلانتا أو نيويورك.

زبائن في بهو فندق "حياة ريجنسي شيكاغو" في إيلينوي، الولايات المتحدة.
زبائن في بهو فندق “حياة ريجنسي شيكاغو” في إيلينوي، الولايات المتحدة.المصدر: بلومبرغ

وفي فنادق البهو المفتوح، أصبحت أمورٌ كان يصعب تصوُّرها من قبل شائعةً بشكلٍ مفاجئ. ففي مجلة “النيويوركر”، كتب “كالفين تريلين”أنَّ “أيَّ شخص حتى لو كان صاحب خبرةٍ مع السفر، سيدهش عند تلقِّيه دعوة لاحتساء مشروبٍ، أو “للاستمتاع بمشروبٍ ودِّي”، كما يسميه كُتيِّب الفندق، على “جزيرة الكوكتيل” في البحيرة ذات النصف فدان القابعة في بهو الفندق.”

وفي مجال الأدب الأميركي، كان”بورتمان” حاضراً أيضاً كأحد أبطال قصص توم وولف (كاتب أميركي شهير)، وهو نموذج مناسب لشخصيته الروائية تشارلي كروكر الذي كان متعهد بناء في رواية “A man in full”. كما كتب”وولف” في كتابه السردي عن العمارة الحديثة “From Bauhaus to Our House”:

“إنَّّ هذه الفنادق البابليَّة الهائلة خاصَّة مع المساحات الأرضية المفتوحة والكبيرة، والأبنية المؤلفة من ثلاثين طابقاً، والحدائق المعلَّقة، والمصاعد البلوريَّة، نجحت أكثر من أي نوعٍ آخر من الهندسة المعمارية، في إرساء شكل وسط المدينة، وإضفاء قليلٍ من السحر المدني في السبعينيات والثمانينيات”.

وكان “دونالد ترمب” قد طلب تصميم بهوٍ مفتوحٍ عندما أعاد ترميم واجهة فندق “كومودور أوتيل” (Commodore Hotel) في مدينة نيويورك، ليحوِّله إلى فندق “غراند حياة” المغطى بالمرايا عام 1980، وشكَّل ذلك أولى صفقاته العقارية الكبرى. وكان هذا التحويل مستحيلاً من الناحية البنيوية، لأنَّ “ترمب” لم يمسّ بأساسيات المبنى التي تعود إلى عام 1919 خلال عملية الترميم.

انتشار سريع

وسرعان ما امتدت هذه الحركة للتمدن الداخلي، وثبت أنَّه يمكن نقلها من فنادق وسط المدينة إلى الضواحي بسهولة، لتظهر المساحات الأرضية المفتوحة في أبنية أخرى بالقرب من المطارات، وعند تقاطع الطرق السريعة. وفضلاً عن الأمثلة المميزة معمارياً، بدأت النسخ المقلِّدة بشكل رخيص بالظهور، وبدت موجودة في كل مكان، ولكنها غالباً لم تكن معروفة بشكلٍ كبير. (بعض المواقع الممتعة على نحوٍ مدهش كانت في أماكن غير متوقَّعة، على سبيل المثال نُزل “ساسكاتون”). ومن الصعب معرفة عدد المباني الموجودة على هذا الطراز.

ويقول تشارلز رايس: “إنَّ إحدى أكبر الصعوبات فيما يتعلق بهذه الحقبة، هي أننا نعرف أنَّ هناك العديد من الأمثلة، ولكن من الصعب أن نحدد أيَّاً منها بشكلٍ خاص.” وتابع: “إنَّها حقبةٌ يُصعب جداً القيام بأبحاثٍ عنها، لأنَّه لا يمكنك البحث بالضرورة عن مباني البهو المفتوح؛ إنَّها ليست تصنيفاً للطريقة التي تكون عليها الفنادق، أو المباني المكتبية.”

إنَّ نمو هذا الطراز وانتشاره كان غير اعتيادي من الناحية المعمارية، وكان موجَّهاً من قبل بضعة مشغِّلين كبار تركَّز اهتمامهم على ميزة واحدة عامة للغاية فقط. ويشرح”رايس” انتشار شكل البهو المفتوح بهذا الشكل المعماري، ويقول: إنَّ مشغِّلي الفنادق “ركبوا الموجة لأنهم كانوا يأملون أن يجنوا الكثير من المال، ذلك لأنَّ المساحات ستكون مثيرة للاهتمام وتجذب الناس. ولا يعتمد الأمر على كيفية تطور هذا الأسلوب، أو جعله مثيراً للاهتمام أكثر. إنما فقط كان نمواً وانتشاراً لهذا الشكل بسرعةٍ نوعاً ما”.

وتعدُّ الحقبة التي شهدت ظهور فنادق البهو المفتوح مهمةً. إذ يقول”رايس” إنَّه في السبعينيات “شكَّلت رحلات الأعمال ظاهرة”. وكانت غاية هذه الفنادق تقديم تجربةٍ نموذجيَّة. ويضيف: “سواء أكان فندق “شيراتون” أم “حياة” أم أياً كان، ستشعر أنَّك تذهب إلى المكان نفسه أينما كنت. فقد قاموا ببناء علامة تجارية على أساس التشابه.”

وأصبح البهو المفتوح جزءاً من نموذج حياة الشركات الكبرى، هذا لوقتٍ طويل. فيما شكَّل ظاهرة جديدة، أصبحت واسعة الانتشار، بدايةً في أميركا الشمالية، ومن ثمَّ حول العالم.

كيف سيكون المستقبل؟

في أحد أشهر التحليلات النظرية الخاصة بالمبنى، يصف الناقد الأدبيُّ”فريديريك جايمسن” الطبيعة التجارية لفندق “بونافنتشور” (Bonaventure) في لوس أنجلوس، فيقول: “مبنى بورتمان هذا يطمح أن يكون مساحةً كاملة، عالماً كاملاً، نوعاً من المدينة المصغَّرة”.

كما كتب عام 1984 في مقالته التي أصبحت فيما بعد كتاباً بعنوان “ما بعد الحداثة” (Postmodernism)، وهو معيار ذهبيٌّ للأشخاص الذين يحبون إدراج “الليبرالية الجديدة” في تحليلهم للأمور. يتطرَّق”جايمسون” إلى العزلة عن الشارع التي يقدِّمها مجمَّع الفندق (الذي يسمِّيه (Bonaventura)): “على نحوٍ مثالي، ما كان ينبغي لمدينة بورتمان الصغيرة “بونافنتورا” أن تحتوي على مداخل على الإطلاق، كون المدخل هو دائماً صلة الوصل التي تربط المبنى ببقية المدينة المحيطة به، فهو لا يرغب أن يكون مبناه جزءاً من المدينة، بل معادلاً لها، وبديلاً عنها”.

وقال منتقداً مصاعده الزجاجية: “هنا يتمُّ التأكيد على إحساس الجولة وتجسيدها، واستبدالها من قبل آلة نقل. لتصبح الدلالة الرمزية لتلك النزهة القديمة على الأقدام في الشارع، التي لم يعد يُسمح لنا بالقيام بها بأنفسنا”. وتطرَّق أيضاً إلى حالة الإرباك التي يولِّدها التنقل في الفندق:

“وأخيراً أَصِلُ هنا إلى نقطتي الرئيسية، وهي أنَّ هذا التغيير الأخير في المساحة (المساحة الشاسعة ما بعد الحداثة)، نجح أخيراً في تخطي قدرات جسم الإنسان على تحديد مكانه، وتمييز محيطه المباشر من منظورٍ إدراكي، وتحديد موقعه من منظورٍ معرفيٍّ في عالمٍ خارجيٍّ قابل للإسقاط على الخريطة”.

ويختم قائلاً: إنَّ ذلك يعكس “عدم قدرة عقولنا، على الأقل في الوقت الحاضر، على تحديد موقع شبكة الاتصالات العالمية العظيمة متعددة الجنسيات واللامركزية، إذ نجد أنفسنا عالقين كأفراد بها”.

ومع ذلك، تبدأ كل مساحة شاسعة ما بعد الحداثة بالقِدم بمجرَّد إنشائها. فقد انتقلت النزعات المعمارية إلى الابتكارات الأخرى، كما أصبحت الرؤية المخيفة للعام 1984 التي كانت تمثِّلها فنادق البهو المفتوح نوعاً من المخلَّفات الحمقاء لسنوات الثمانينيات. وإذا قمت بزيارة بضعة فنادق ذات بهوٍ مفتوحٍ مؤخراً، ستلاحظ أنَّ بعضها مهملٌ للغاية، ذلك إن كانت مزاياها العظيمة لا تزال مشعَّةً. في حين يستمر بعضها الآخر بالتألّق. ولكن ممَّا لا شكَّ فيه أنَّه لم يعد أي منها يمثٍّل ظاهرةً جديدة.

ويقول”رايس” عن فندقيْ “بوتيك” في لوس أنجلوس: “من الأفضل لك أن تبقى في “ذا ستاندرد” أو “ذا آيس أوتيل””. وأضاف: “أصبح وسط المدينة في لوس أنجلوس مشهداً مختلفاً للغاية الآن عمَّا كان عليه في السبعينيات.”

وتغيَّرت مقاربة”بورتمان” مع الوقت أيضاً. ففي وقتٍ لاحق من مسيرته، بدأ بتصميم المباني التي تتفاعل بشكلٍ أكثر نشاطاً مع شوارع المدينة. كما تمَّ تعديل العديد من فنادقه القديمة لتحتوي على مداخل أوضح.

وبين أكبر علامات الفنادق التجارية، تضاءلت موضة البهو المفتوح في أميركا الشمالية. وبقي منها أحد فنادق “ذا روكسي” (The Roxy) في مدينة نيويورك، الذي تمَّ بناء مبناها “تريبيكا غراند” عام 2000، ليكون فندقاً جديداً ذا بهوٍ مفتوح بأسلوب قديم. كما تراجعت أيضاً موضة النباتات الداخلية الكثيرة، التي أصبحت شائعة في المكاتب، والمجمعات التجارية، كونها تميل إلى أن تكون غالية الثمن. وأشار جايمسن إلى أنَّه أصبح من الصعب إيجاد محال التجزئة داخل فنادق البهو المفتوح؛ كما أغلقت العديد منها.

بهو بفندق غراند حياة.
بهو بفندق غراند حياة.المصدر: بلومبرغ

وكبناءٍ جديد، من المرجح الآن أن تجد فنادق البهو المفتوح في الشرق الأوسط أو آسيا. ومع ذلك، تبقى الشركة التي كانت رائدةً في هذا الطراز متحمِّسةً بشأن مزاياها. وفي تصريح لها كتبت”سارة كلايمسن”، وهي نائب مدير قسم تطوير المنتج والعلامة التجارية في فندق “حياة”: “غيَّر هذا المفهوم فكرة ما يمكن أن تكون عليه التجربة في الفندق من خلال تحويل الردهات من مساحاتٍ خاصة بالمعاملات، يمرُّ من خلالها الزبائن في طريقهم إلى تسجيل وصولهم إلى الفندق أو مغادرته فقط.” وأضافت: “إنَّ الشكل الهندسيَّ لفنادق البهو المفتوح هو بمثابة مرحلةٍ يمكنها أن تتطوَّر، سامحةً للبهو أن يكون مهمَّاً الآن تماماً كما كان عام 1967.”

وفي المخيِّلة الشعبيَّة، تبقى مكانة هذه الفنادق قوية، فهي مواقع تصوير أفلامٍ أيقونيَّة. جميعنا يتذكَّر مشاهد الممثل والمخرج الأميركي”ميل بروكس” في فندق “حياة” في سان فرنسيسكو في فيلمه (High Anxiety)؛ وقد قدَّم هذا الفندق أيضاً المصاعد الزجاجية بشكل مختلف لأوَّل مرة في فيلم (The Towering Inferno). ويعدُّ فندق “بونافنتورا” شهيراً بشكل خاص في الأفلام، إذ ستذكره السينما للأبد، وذلك من خلال فيلميْ (Interstellar) و(Buck Rogers). وكما يظهر في هذا الفيديو، يتوقَّف كلٌّ من”كلينت إستوود”، و”جوني ديب” للتحديق في بهو هذا الفندق، تماماً كما نفعل.

هذه المساحات لعلها تكون مربكة أحياناً، وأحياناً أخرى منفِّرة. ولكنَّها في غالبية الأوقات ساحرةٌ ومهيبة. ولا يمكنها إلَّا أن تكون مدهشة. وقبل كل شيء، فإنَّ البهو المفتوح يُعدُّ إسرافاً لا يمكن لمعظم المباني تحمله. وبالرغم من أنَّها قد لا تكون موضة المستقبل؛ لكنَّها تستحق أن تبقى جزءاً قيِّماً من الماضي.

المصدر: بلومبرغ

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm