الأخبار

كورونا يسهم في حل مشكلات التكنولوجيا والعكس صحيح

يعاني العالم مشكلة في التكنولوجيا. وأعني بذلك أننا نفتقر حاليا إلى التكنولوجيا للتعامل مع جائحة فيروس كورونا. ليس لدينا اختبار رخيص وسهل ويمكن تطبيقه ذاتيا. نفتقر إلى الأدوية الفعالة. بالدرجة الأولى، ليس لدينا لقاح.
أعني أيضا شيئا أكثر غموضا وتشعبا. لدينا مشكلة في التكنولوجيا، بمعنى أن التقدم العلمي كان يتعثر منذ فترة. هذا واضح في البيانات. كان العقد 2010-2019 من حيث الإنتاجية في بريطانيا، هو الأدنى خلال القرنين الماضيين، ولا يمكن أن يلام فيروس كورونا على ذلك.
إذا كانت إحصائيات الإنتاجية لا تتجاوب وتنسجم مع روحك الشعرية، اذهب إلى مطبخك وانظر حولك. سترى قليلا هناك مما لم تكن لتراه قبل 50 عاما.
لا يمكن قول الشيء نفسه، على سبيل المثال، عن فترة الـ 50 عاما بين 20-1970. أو تفكر في السفر بالطائرة، إذا كنت تستطيع تذكر طبيعة ذلك. بين عامي 20-1970، انتقلنا من نظارات الطيار والطائرات المسطحة المغطاة بالنسيج إلى بوينج طائرتي 747 وكونكورد.
لم نخفق في التقدم إلى الأمام منذ ذلك الحين فحسب، بل بإمكاننا أن نجادل بأننا عدنا إلى الوراء.
بالنظر إلى كثرة ما يقال لنا عن الوتيرة المعطلة للابتكار والإبداع غير المحدود لوادي السيليكون، فإن الواقع مدهش ومخيب للآمال.
بعد عدة أعوام من التفكر في تاريخ الاختراعات والمخترعين، أتساءل عما إذا كانت هاتان المشكلتان قد تلقيان بعض الضوء على بعضهما بعضا، ماذا يمكننا أن نتعلم من الوباء عن التكنولوجيا؟ وماذا يعلمنا تاريخ التكنولوجيا عن الوباء؟
فهم الحوافز على الشكل الصحيح: في عام 1795، عرضت الحكومة الفرنسية جائزة قدرها 12 ألف فرنك لاختراع طريقة لحفظ الطعام.
كان نابليون بونابرت جنرالا طموحا عندما تم إعلان الجائزة. بحلول الوقت الذي منحت فيه الجائزة، كان قد أصبح إمبراطور فرنسا، وكان على بعد عامين من غزوه الكارثي لروسيا. لا ندري إن كان نابليون قد قال أم لم يقل: “يسير الجيش على بطنه” لكنه كان حريصا على توسيع مخصصات جنوده من اللحوم المدخنة والمملحة.
أحد الطامحين الذين جرب حظه في الفوز بالجائزة كان نيكولا آبير، وهو صاحب محل بقالة وحلويات في باريس، وينسب إليه الفضل في تطوير مكعب الطعام بشكل غير معقول كثيرا، وصفة فيليه الدجاج الملفوف بالزبدة الباردة والبيض والبقسماط.
من خلال التجربة والخطأ، توصل آبير إلى أن غمر طعام في برطمان زجاجي في ماء مغلي ثم إحكام إغلاق البرطمان بالشمع سيحافظ عليه، كل هذا كان قبل ولادة لويس باستور. بعد حل المشكلة، طالب آبير في حينه بمكافأته.
هذا ليس بأي حال من الأحوال المثال الوحيد لجائزة الابتكار، وهي أداة في السياسة تراجعت وتضاءلت على مر الأعوام.
أشهرها جائزة خطوط الطول عام 1714، لحل مشكلة مدى بعد السفينة عن الشرق أو الغرب.
كما أن الجمعية الملكية لتشجيع الفنون والصناعات والتجارة RSA كانت تمنح الجوائز على أساس متكرر، غالبا لإجراءات السلامة التي كانت تعد غير مربحة، لكنها ذات قيمة اجتماعية.
يعتقد أنطون هاوز، مؤلف كتاب: “الفنون والعقول” وهو تاريخ للجمعية الملكية RSA، أن الجمعية منحت أكثر من ألفي جائزة ابتكار بين منتصف القرنين الـ 18 والـ 19.
كان بعضها “مكافآت مالية” في اعتراف لاحق بالأفكار الجيدة لكن كثير كانت جوائز ابتكار متميزة مثل تلك التي منحت إلى آبير، وتطرح مشكلة مهمة وتعد بمكافأة الشخص الذي يحلها.
في الوقت الحاضر هذه الجوائز لم تعد رائجة. يغلب على الحكومات تفضيل مزيج من الدعم المباشر للباحثين، ومنح الاحتكار للملكية الفكرية على شكل براءة اختراع، إلى الذين يطورون أفكارا أصلية.
تماما مثل الابتكارات التي كانت تكافئ بها الجمعية الملكية RSA، يمكن أن تكون اللقاحات السريعة غير مربحة، لكنها ذات قيمة اجتماعية.
لذا تعتقد مجموعة من كبار الاقتصاديين في العالم أنه إذا أردنا تعظيم فرص إنتاج لقاح فيروسات كورونا المهم تماما وبالسرعة والنطاق المطلوبين، فإننا بحاجة إلى إحياء جوائز الابتكار بشكل كبير.
يشمل هذا الفريق المعروف باسم “تسريع تقنيات الصحة” سوزان آثي أول امرأة تفوز بميدالية جون بيتس كلارك المرموقة، ومايكل كريمر الحائزة جائزة نوبل.
بانكس، رسام الكاريكاتير في “فاينانشيال تايمز” قال مازحا: “من يكتشف اللقاح أولا سيحصل على عناق كبير للغاية”.
من الآمن أن نقول سيحصل على أكثر من ذلك بكثير، لكن هل سيحصل على ما يكفي؟ أصيبت شركات الأدوية الكبرى بالندوب بسبب تجارب سابقة، حيث أنفقت أموالا كثيرة في لقاحات لأمراض مثل زيكا أو سارز، أو سارعت لتلبية طلبات كبيرة للقاحات الأنفلونزا، لتجد أن الطلب قد تراجع في النهاية، مثلما حدث في 2009.
المشكلة هي أن معظم برامج أبحاث اللقاحات لا تنجح، ولذلك تحاول الشركات بشكل مفهوم إبقاء إنفاقها دون حد معين إلى أن يثبت نجاحها.
أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية أعرب عن أسفه عن المشكلة في شباط (فبراير) الماضي. قال أمام لجنة في معهد أسبن: “الشركات التي لديها مهارة القيام بذلك لن تجلس ولديها مرافق دافئة فهي “جاهزة للذهاب عندما تحتاج إليها”.
نحن بحاجة إلى أن يستثمر المتنافسون الرئيسون على اللقاحات بشكل كبير في التجارب والإنتاج أكثر مما يفعلون في العادة، رغم أن كثيرا من هذا الاستثمار سيضيع في نهاية المطاف.
وبالطبع، فإنهم منذ الآن يستثمرون أكثر إلى حد معين. وهذا جزء من فعل المواطنة الجيدة للشركات وجزئيا استجابة للإعانات المقدمة من الحكومات أو مؤسسة جيتس. ذاك قد لا يكون كافيا.
علينا ألا ننسى أن تكلفة الفشل ستتحملها بشكل أساسي الشركات المعنية، بينما ستتمتع جميعا بفوائد النجاح: يقدر صندوق النقد الدولي أن الفوائد تزيد على عشرة مليارات دولار لكل يوم يتم فيه تسريع تسليم اللقاح على نطاق واسع.
أي إغراء يمكن للبقية منا تقديمه قد يكون أموالا أنفقت على الوجه السليم. لذا اقترحت آثي وكريمر وزملاؤهما نوعا من الجوائز يسمى “دفعة مقدمة من التزام السوق” AMC وهو وعد بشراء مئات الملايين من جرعات اللقاح مقابل سعر إضافي.
هذه ليست فكرة غير مجربة. في عام 2004 اقترح كريمر وراشيل جلينستر، كبيرة الاقتصاديين في وزارة التنمية الدولية في بريطانيا الآن، مفهوم الدفعة المقدمة AMC. في عام 2010 تعهد مانحون بمبلغ 1.5 مليار دولار C مقابل لقاح المكورات الرئوية في الدول منخفضة الدخل وقد أدى هذا بشكل عجيب إلى تسريع انتشار اللقاحات الناجحة، وإنقاذ مئات الآلاف من الأرواح.
AMC هو في الواقع مجرد نسخة متطورة من جوائز الابتكار في القرنين الـ 18 والـ 19 مثل تلك التي طالب بها نيكولا آبير.
الحوافز ليست هي الشيء الوحيد المهم لكنها تظل مهمة. إذا كنا فعلا بحاجة ماسة إلى حل، فلا يجب أن نتردد في الالتزام بمكافأة الذين ينتجونه. إنها ليست قفزة من حفظ الطعام إلى اللقاح.
لا تغفل ما يبدو بسيطا: في 4 آب (أغسطس) 1945، عندما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يناوران من أجل مكانة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، قدمت مجموعة من الفتيان من منظمة الشباب الرواد في الاتحاد السوفياتي بادرة ساحرة من الصداقة.
في السفارة الأمريكية في موسكو، قدموا ختما احتفاليا كبيرا محفورا باليد للولايات المتحدة الأمريكية إلى أفريل هاريمان السفير الأمريكي. أصبح فيما بعد يعرف ببساطة باسم “الشيء”.
فحص مكتب هاريمان الزخرفة الخشبية الثقيلة بحثا عن وجود أداة للتنصت، لكنه خلص إلى أنه طالما بدون أسلاك أو بطاريات، لا يمكن أن يضر. ركب هاريمان “الشيء” بفخر على جدار مكانته. من هناك، كان هذا الشيء ينقل محادثاته الخاصة على مدى الأعوام السبعة المقبلة.
في النهاية، تتبع مشغل راديو بريطاني على محادثات السفير الأمريكي، وهي تبث عبر موجات الأثير. كانت عمليات البث هذه غير متوقعة: حين تفحص السفارة بحثا عن انبعاثات الراديو، لم تكن هناك أداة للتنصت. استغرق الأمر وقتا أطول لاكتشاف السر. كان جهاز الاستماع داخل الشيء. وكان خفيا وبسيطا للغاية، لدرجة أنه أثبت أن بالكاد يمكن اكتشافه.
تم تصميم الشيء تحت الإكراه في معسكر سجن سوفياتي من قبل ليون ثيرمين، المشهور حتى في ذلك الحين بآلاته الموسيقية التي تحمل اسمه.
كان داخله مجرد هوائي متصل بتجويف عليه غشاء فضي، يعمل كميكروفون. لم تكن هناك بطاريات أو أي مصدر آخر للطاقة. الشيء لم يكن بحاجة إليها. كان يتم تنشيطه بواسطة موجات الراديو التي يبثها السوفيات في السفارة الأمريكية، وعندها سيتم بثها مرة أخرى، باستخدام طاقة الإشارة الواردة. حين تطفئ تلك الإشارة، فإنه يصمت.
العملاء الأمريكيون الذين فحصوا الشيء بحثا عن أجهزة تنصت لم يفهموا قدرته على إلحاق الضرر بهم. بدا الأمر بسيطا أكثر مما يجب، بل بدائيا جدا، على نحو لا يدعو إلى القلق بشأنه.
أنا قلق من أننا غالبا ما نرتكب الخطأ نفسه. عندما نفكر في التكنولوجيا، نفكر في الأشياء المبهرة والمعقدة. ونتجاهل الأشياء الرخيصة والبسيطة. نحتفل بمطبعة جوتنبرج، لكن ليس بالورق الذي طبع عليه عديد من الكتب.
إلى جانب الورق وبطاقة اكتشاف تردد الراديو RFID يجب أن نقدر أهمية الطوب والطابع البريدي، وفي هذا الصدد، فإن علبة القصدير المتواضعة: وهي اختراعات غيرت وجه الأشياء، ليس لأنها معقدة بل لأنها بسيطة.
يجب أن نتذكر الدرس نفسه عندما يتعلق الأمر بالابتكارات التي تغذي الصحة العامة. أبسط التقنيات مثل الصابون والقفازات والأقنعة القماشية، التي تبدو محتملة بشكل متزايد تبين أنها لا تقدر بثمن، ويحتاج إليها الناس كثيرا عندما يكون هناك نقص في المعروض.
وهذه هي فقط التكنولوجيات الواضحة. تعثرت بريطانيا والولايات المتحدة في جهودهما لزيادة الاختبارات في الأسابيع الأولى الحاسمة للوباء. سيستغرق الأمر استفسارات ما بعد الوباء لتحديد السبب بالضبط وعدم الكفاءة هو أحد التفسيرات الواضحة لكن الصحافيين سلطوا الضوء على نقص الكواشف الكيميائية اللازمة لإجراء الاختبار، ومعدات الحماية اللازمة لحماية العاملين الطبيين، بل حتى أشياء بسيطة مثل مسحات القطن.
حتى في الوقت الحاضر من السهل جدا استبعاد إمكانات الاختبار الرخيص والبسيط حقا. يجادل الاقتصادي بول رومر، الحائز جائزة نوبل، أنه إذا كان من الممكن اختبار كل شخص في بلد معين مرتين في الشهر، أي ما يعادل أكثر من أربعة ملايين اختبار في اليوم في بريطانيا، يفترض أن يوفر معلومات كافية لقمع الفيروس كلما كان هناك وباء.
هذه قفزة هائلة تتجاوز قدرتنا الحالية على الاختبار، لكن الفوائد يمكن أن تكون هائلة. تخيل اختبارا موثوقا يكون رخيصا يباشره الشخص بنفسه، مثل اختبار الحمل أو مقياس الحرارة. التعقيد الكبير جيد، لكن كون الشيء رخيصا تطور بحد ذاته.
تتبع المخالطين هو نهج آخر بسيط، لكنه مهم للغاية. هناك فكرة قديمة لا تتطلب أكثر من هاتف ودفتر ملاحظات وجيش صغير من المثابرين وأشخاص من ذوي الكياسة، تم التخلي عنها في بريطانيا خلال أخطر ثلاثة أشهر من الأزمة، على ما يبدو على أساس أن الجيش لم يتم تجنيده بعد، وبالتالي لم يتمكن نظام التتبع سوى أن يتعامل مع ما لا يزيد على خمس حالات جديدة في الأسبوع.
منذ أن تم تخفيف الإغلاق بات لدينا أكثر من ألف حالة في اليوم.
ثم هناك المعجزات اللوجستية اليومية التي أصبحت ممكنة بفضل الاختراعات البسيطة الأخرى، مثل الباركود وحاوية الشحن. لا أحد يهتم بالخدمات اللوجستية إلا حين تسوء الأمور.
كان من الرائع أن نرى كيف كانت سلاسل توريد التجزئة متينة في مواجهة أكثر الاضطرابات غير العادية. في الوقت الذي كان يطلب فيه من كثير من سكان العالم عدم الخروج، لم نر بأسا كبيرا في تأمين الدقيق والمعكرونة.
لم يكن من السهل جدا تكرار هذا الإنجاز عندما يتعلق الأمر بالاختبار. وضعت حكومة بريطانيا أهدافا طموحة، نظرا لشعورها بالحرج من التقصير المبكر. ثم ادعى الوزراء أنهم حققوا الأهداف، أولا من خلال إدراج مجموعات الاختبار التي تم نشرها فقط، ومن ثم التباهي بالقدرة. في غضون ذلك، توقفت الحكومة ببساطة عن الإبلاغ عن عدد الأشخاص الذين تم اختبارهم على الإطلاق.
أثبتت اللوجستيات لإجراء الاختبارات، أو حتى عدها، أنها صعبة بما فيه الكفاية لأغراض تحقيق الأهداف، وبالتالي تم ببساطة افتراض أن المشكلات اللوجستية ليست ذات بال.
في سعينا المستميت لتطوير حلول عالية التكنولوجيا مثل الأدوية أو تطبيقات تتبع المخالطين، هناك خطر من تجاهل التكنولوجيا البسيطة التي يمكن أن تحقق كثيرا.
كما اكتشف أفريل هاريمان من الخطأ التغاضي عن التكنولوجيات التي تبدو بسيطة للغاية، فضلا عن تجاهلها.
التصنيع مهم أيضا: الابتكار ينطوي على أمور تتجاوز كونه فكرة جيدة. تكنولوجيا آبير لحفظ الطعام لم تبق في فرنسا لفترة طويلة فقد هاجرت عبر القناة بحثا عن أصحاب المشاريع ورأس المال المغامر في لندن، ما سمح بزيادة الإنتاج.
تلك كانت فترة لم يكن فيها البريطانيون، على ما يبدو فخورين فوق الحد على نحو يمنعهم من استعارة فكرة جيدة من الفرنسيين.
كان آبير نفسه يحاول أيضا توسيع عملياته. استثمر جائزته في مصنع لحفظ الأغذية، لكنه شاهد مصنعه يتعرض للتدمير من قبل الجيوش البروسية والنمساوية الغازية. الأفكار مهمة، لكن المصانع مهمة أيضا.
من المرجح أن يتبين أن المصانع مصيرية لإنتاج اللقاحات. تطوير لقاح ناجح أكثر بكثير من مجرد مشكلة تصنيعية، لكن التصنيع بلا شك تحد يبقي الخبراء مستيقظين في الليل.
اللقاحات المرشحة مختلفة بما فيه الكفاية عن بعضها بعضا لدرجة أنه من غير المجدي بناء خط إنتاج لجميع الأغراض من شأنه أن يصلح لأي منها، لذلك نحن بحاجة إلى بناء عدد منها بالتوازي.
قالت سوزان آثي: “تخيل أن حياتك تعتمد على استكمال مشروع بناء منزل في الوقت المحدد. أي شخص لديه مشروع بناء يعرف أنه لا يتم الانتهاء من أي مشروع في الوقت المحدد … حرفيا، إذا كانت حياتك تعتمد على ذلك، يمكنك محاولة بناء خمسة منازل”.
أو بعبارة أخرى، إذا كانت حياتك تعتمد على تسليم رسالة في الوقت المحدد، فأرسل نسخا متعددة من الرسالة بأكبر عدد ممكن من الطرق التي يمكنك العثور عليها.
في حالة اللقاح ضد فيروس كورونا، فإن إنشاء عدد من خطوط الإنتاج الزائدة يكلف المال، عشرات المليارات من الدولارات.
تذكر أن اللقاح المتسارع يساوي أكثر من عشرة مليارات دولار في اليوم. أي دعم معقول سيكون ذا قيمة مقابل المال، على افتراض أنه يزيد احتمال النجاح السريع.
تتوافر بعض الإعانات منذ الآن على سبيل المثال، كجزء من مشروع أمريكي Warp Speed ومن مؤسسة جيتس، لكن مايكل كريمر يريد أن يرى مزيدا من التنسيق الدولي والطموح. قال لي: “نعتقد أن حجم المشكلة والمخاطر المرتبطة بكل مرشح تتطلب متابعة عدد أكبر بكثير من المرشحين”.
وأضاف أليكس تباروك، عضو آخر في الفريق: “بيل جيتس يفعل الشيء الصحيح، لكن لا يمكنه القيام بكل شيء. تعمل الحكومات ببطء شديد. كل أسبوع نتأخر في إيجاد لقاح معين يكلفنا المليارات”.
تريد آثي وكريمر وتباروك وباقي أعضاء فريق “دفعة مقدمة من التزام السوق” أن يكملوه بإعانات سخية بنسبة 85 في المائة للبناء الفوري لمصانع اللقاحات. الحساب هنا هو أن الشركات أفضل حكما بشأن آفاقها الخاصة. الشركة ذات اللقاح الهامشي لن تبني قدرة كبيرة، حتى مع دعم بنسبة 85 في المائة.
أي شخص لديه فرصة جيدة في إنتاج لقاح سيرى الجائزة المعروضة والإعانات، عليه أن يبدأ في بناء المصانع في الحال.
على أساس مبدأ عدم إغفال ما يبدو بسيطا، حتى أكثر اللقاحات تطورا تعتمد على مكونات يسهل أخذها على محمل التسليم إلى حد كبير.
خذ مثلا إمدادات القوارير الزجاجية. يمكن تضمين عدة جرعات في قارورة واحدة، لكن هذا لا يزال يشير إلى الطلب على مئات الملايين منها إذا تم صنع لقاح ناجح. صناعة اللقاحات معتادة على العمل على نطاق واسع، لكن هذا سيكون شيئا جديدا: ببساطة لا يتم إعطاء اللقاحات لكل شخص في العالم في وقت واحد.
أو ربما عامل التأخير لن يكون الزجاج، بل شيئا آخر. قال جيمس روبنسون، خبير تصنيع اللقاحات للكاتبة العلمية ماجي كويرث: “صناعة لقاح … قد تتطلب الاستعانة بعدة آلاف من المكونات، لكن كل مادة تأتي من المصانع بمئات المصادر، وهذه المصادر لها مصادر”.
على سبيل المثال تستخدم شركة جلاكسو سميث كلاين مستخلصا من شجرة لحاء الصابون، لإنتاج مكون تعزيز اللقاح يسمى المساعد بالنسبة إلى بعض اللقاحات قيد التطوير الآن، قد يعزز المساعد فعاليته أو يوسع استخدام كمية معينة لتصل إلى جرعات أكثر.
كما لاحظ تكويرث، يتم حصاد اللحاء في بيرو وتشيلي وبوليفيا خلال أشهر الصيف في نصف الكرة الجنوبي. تم حصاد محصول العام الماضي قبل أن يصبح فيروس كورونا اسما مألوفا. لن يبدأ حصاد هذا العام حتى تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
التعطيل قد يكون مفيدا: لم تكن العقود القليلة الماضية هي التي أحدثت فيها التكنولوجيات الرائعة على ما يبدو انطباعا ساحقا عن أرقام الإنتاجية. خذ مثلا تاريخ إدخال الكهرباء إلى المصانع الأمريكية.
في تسعينيات القرن الـ 19 بدت إمكانات الكهرباء واضحة. اخترع توماس أديسون وجوزيف سوان بشكل مستقل مصابيح كهربائية قابلة للاستخدام في أواخر سبعينيات القرن الـ 19.
في عام 1881، بنى أديسون محطات توليد الكهرباء في شارع بيرل في مانهاتن وهولبورن في لندن.
سارت الأمور بسرعة: في غضون عام، كان يبيع الكهرباء كسلعة بعد عام من ذلك، تم استخدام المحركات الكهربائية الأولى لتشغيل آلات التصنيع.
بحلول عام 1900، كانت أقل من 5 في المائة من قوة التشغيل الميكانيكية في المصانع الأمريكية تأتي من المحركات الكهربائية. كان معظم المصانع لا تزال في عصر البخار. هذا لأنه عندما استبدل المصنعون المحركات الكهربائية الكبيرة بمحركات بخارية كبيرة، شعروا بخيبة أمل من النتائج.
كتبت عن عمل المؤرخ الاقتصادي بول ديفيد من قبل. جادل بأنه لم يكن كافيا فقط استبدال المحركات الكهربائية بالمحركات البخارية. لا يمكن استخدام إمكانات هذه المحركات الجديدة بالكامل إلا إذا أعيد تصميم المصانع.
في حين أن الاستبدال قد حقق قليلا جدا، يمكن أن تكون المحركات الكهربائية ذات كفاءة على نطاق أصغر.
هذا يعني أن كل عامل يمكن أن يكون له محرك صغير على منضدته. يمكن أن تحل الأسلاك محل عمود القيادة ويمكن للمصانع أن تنتشر في مساحات أخف وزنا وأكثر تهوية.
يمكن تحسين تدفق المنتجات، بدلا من تقييدها بسبب القرب من مصدر الكهرباء.
جزء رائع من حجة ديفيد هو أن كل هذا تم تحفيزه عن طريق أزمة. بعد عام 1914، أصبح العمال أكثر تكلفة بفضل سلسلة من القوانين الجديدة التي حددت الهجرة إلى الولايات المتحدة من أوروبا التي مزقتها الحرب.
ارتفعت أجور التصنيع وأصبح توظيف العمال يدور أكثر حول الجودة، وأقل حول الكمية. كان الأمر يستحق الاستثمار في التدريب وكان العمال المدربون جيدا في وضع أفضل لاستخدام الاستقلال الذاتي الذي أعطته لهم الكهرباء.
ساعدت مشكلة التوظيف التي أثارتها قيود الهجرة على إثارة تفكير جديد حول تصميم أرضية المصانع الأمريكية.
بعض أوجه التوازي الحديثة واضحة. منذ أعوام ونحن لدينا البريدالإلكتروني والإنترنت وأجهزة كمبيوتر بأسعار معقولة، وأخيرا، مؤتمرات الفيديو.
إلى أن اندلعت الأزمة، كنا بطيئين في استكشاف التعليم عبر الإنترنت أو الاجتماعات الافتراضية أو التطبيب عن بعد.
انتقلت الطباعة ثلاثية الأبعاد وتقنيات التصنيع الرشيقة الأخرى من كونها من الطرائف إلى كونها طرقا منقذة للحياة لتلبية الطلب الجديد على المعدات الطبية.
نتعلم الآن بسرعة طرقا جديدة للعمل عن بعد، لأنه فجأة لم يكن لدينا خيار. وها نحن نتعلم الآن عن المتانة.
ليس هناك ما يضمن أن الأزمات تجلب دائما أفكارا جديدة في بعض الأحيان تكون الكارثة مجرد كارثة. ومع ذلك، لا يوجد نقص في الأمثلة عن إثبات أن الحاجة أم الاختراع، وأحيانا مرات عديدة.
تشير مجلة إيكونوميست إلى حالة كارل فون دريس، الذي اخترع نموذجا مبكرا للدراجة في ظل “عام كان بلا صيف” عندما دمرت المحاصيل الأوروبية عام 1816 بسبب آثار الثوران الهائل لجبل تامبورا في إندونيسيا.
كانت الخيول جائعة لعدم توافر الشوفان. “الحصان الميكانيكي” لفون دريس لا يحتاج إلى طعام.
إنه مثال جيد، لكن يمكن للمرء أن يشير بشكل متساو إلى حليب الأطفال ومستخلص اللحم البقري، كلاهما طورهما يوستوس فون ليبيجردا في مواجهة الجوع المرعب الذي شهده في ألمانيا، عندما كان مراهقا عام 1816.
أو إذا أردنا الاعتراف بالفن والعلم، هناك رائعة ماري شيلي: “فرانكنشتاين” المكتوبة في الصيف الممطر نفسه بجانب بحيرة جنيف حيث عزلة المخلوق صورة عن عزلة الفلاحين الجائعين الذين رأيتهم وهم يتسولون للحصول على الطعام. قد تؤدي أزمة واحدة إلى كثير من الاستجابات الإبداعية.
قد ينطبق الشيء نفسه على هذا الوباء. الاضطرابات حتى الكارثية لديها طريقة لتدمير المصالح المكتسبة وتمزيق الافتراضات المريحة، وإخراج الناس والمنظمات من الوضع الراهن.
من الممكن أن تشير الأجيال المقبلة إلى عام 2020 باعتباره عام انتهاء تباطؤ الابتكار. حتى الاقتصاديون بحاجة إلى أن يكونوا قادرين على الشعور بالأمل.

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm