الأخبار

ماذا خسرت الجزائر بتفويت مشروع “ديزرتاك” الألماني للطاقة الشمسية؟

علنت الجزائر انسحابها من المشروع الضخم “ديزرتاك” (Desertec) الألماني للطاقة الشمسية في شمال أفريقيا، وفي وقت ظن الخبراء أن الجزائر أهم حلقة في هذه المبادرة، بالنظر لقدراتها وتجربتها في مجال الطاقات المتجددة، فإن الحكومات المتعاقبة أبدت تحفظاتها على تكلفة التمويل وشروط إقامة المحطات في أراضيها.

فقد خرج وزير الطاقة في الحكومة المعدلة، عبدالمجيد عطار، بتاريخ 31 أغسطس/آب الماضي، ليعلن أن المشروع لم يعد مطروحا للنقاش.

وكان الرئيس الجزائري السابق، عبدالعزيز بوتفليقة أعلن خلال زيارته إلى ألمانيا في 7 ديسمبر/كانون الأول 2010 رغبة بلاده في الانخراط بمبادرة “ديزرتاك”.

لكن بمجيء الرئيس الحالي عبدالمجيد تبون، كشف وزير الطاقة محمد عرقاب في 13 فبراير/شباط 2020، عن توقيع مذكرة تفاهم بين مجمع “سونلغاز” الجزائري للكهرباء ومبادرة “ديزرتاك” في أبريل/نيسان من العام نفسه.

وهو ما اضطر وزير الانتقال الطاقوي والطاقات المتجددة، شمس الدين شيتور، في جواب عن مساءلة بمجلس الأمة (البرلمان) قبل 10 أيام، لتبرير قرار الحكومة برفض البنوك الدولية تمويل المشروع بقيمة 450 مليار دولار.

وفي رده على سؤال شفوي بمجلس الأمة في يناير/كانون الثاني 2017، صرح وزير الطاقة السابق، نور الدين بوطرفة، بأن مستقبل المفاوضات التي تجريها الجزائر مع ألمانيا بشأن هذا المشروع الضخم لا فائدة من استكماله في ظل وجود فائض في الطاقة الكهربائية بمعظم بلدان أوروبا.

عجز بحلول 2035

من جهة أخرى، حذر الوزير شمس الدين شيتور من عجز كبير في مجال المحروقات بحلول 2035، مما يستوجب التوجه بكل قوة نحو الطاقات المتجددة.

وسبق لوزارة الطاقة التحذير من أن الاستهلاك الداخلي يرتفع سنويا بـ 5.6%، مشيرة إلى أن استنزاف الغاز محليا يبلغ 50% من الطاقة الإنتاجية، وهو المصدر الرئيس في توليد الكهرباء.

وهو ما دفع بالسلطات العمومية في عام 2019 إلى إنشاء ما يسمى بـ”المحافظة للطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية”، كهيئة مكلفة بتصميم الإستراتيجية المحلية لتطوير القطاع، وأطلقت في العام ذاته أطلسا مكونا من 60 خريطة لتحديد مواقع إمكانات الطاقة المتجددة في البلاد، في مسعى لاستقطاب شركاء دوليين.اعلان

وتمتلك الجزائر-وفق دراسات بحثية- أكبر حجم من الطاقة الشمسية في حوض البحر الأبيض المتوسط، بـ4 مرات مجمل الاستهلاك العالمي للطاقة، وهو ما يشكل 60 مرة من حاجة الدول الأوروبية للطاقة الكهربائية.

بل أكدت الوكالة الفضائية الألمانية أن الصحراء الجزائرية هي أكبر خزان للطاقة الشمسية في العالم، حيث تدوم الإشعاعات الشمسية فيها 3 آلاف ساعة سنويا، وهو أعلى مستوى لإشراق الشمس عالميا.

وبحسب باحثين، تتيح هذه المؤشرات المهمة للجزائر الاستثمار الفعال في الطاقات المتجددة لضمان بقاء الدول الأوروبية في علاقة تبعية طاقوية مستقبلا، ما يمكنها من توظيف سلاح الطاقة كأداة سياسية ودبلوماسية.

فرصة ضائعة

ومع ذلك، فقد تباينت آراء المختصين حول أهمية المشروع المذكور بالنسبة للجزائر، وقال الخبير في الاقتصاد الطاقوي، عبدالرحمن عيّة، إن البيانات الأخيرة والوضعية المالية والاقتصادية الراهنة تؤكد أنها ضيعت على نفسها فرصة لتحقيق مشروع واعد في الانتقال الطاقوي بعد انسحابها، على غرار مستثمرين آخرين.

وأوضح في تصريح للجزيرة نت أن الوقود الأحفوري يبقى الطاقة الأساسية لتشغيل المولدات الكهربائية في الجزائر بنسبة 96.24%، حيث يأتي الغاز الطبيعي في المقدمة، إذ يسهم بنسبة تزيد على 56% من إجمالي مصادر الطاقة المستخدمة.

ونبه المتحدث إلى أن استهلاك الكهرباء بالجزائر في منحى تصاعدي، حيث تضاعف بين عامي 2013 و2018، مقابل دعم الدولة لأسعار المواد الطاقوية، ما أدى إلى تفاقم عجز الخزينة، والمقدر بـ26 مليار دولار في قانون المالية 2021.

وأضاف أنه كان ممكنا إحلال إنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية بدل الغاز الذي يُفترض تسويقه محليا أو دوليا، لتقليل عجز الميزان التجاري البالغ 11 مليار دولار في 2020.

كما أثار قضية التلوث الكبير للجو بسبب الاستخدام غير العقلاني للوقود الأحفوري، إذ صنفت دراسة للمنظمة العالمية للصحة الجزائر ضمن الدول الأكثر تلوثا.

أما عن خلفيات انسحابها من مبادرة “ديزرتاك”، فيعتقد عيّة أنها ترتبط بأبعاد سيادية وأخرى بالحوكمة، من أهمها غموض الرؤية حول امتلاك الاستثمارات، والاهتمام بالتسيير الإداري والتنظيمي للمشروع على حساب الجدوى الاقتصادية ودافع الربحية.

وأعاق البعد الإقليمي للاضطرابات السياسية والنزاعات المسلحة، التوصل إلى اتفاقيات دائمة، ناهيك عن تدخل قوى وصائيّة مثل فرنسا، لإفشال مشاريع شراكة مع دول صناعية أخرى، وفق عيّة.

فكرة سريالية

على النقيض من ذلك، يشدد الخبير الدولي في الطاقات المتجددة، بوزيان مهماه، على أن الجزائر لم تخسر شيئا من عدم تجسيد مشروع ديزرتاك‏، فهو مجرد فكرة سريالية جماهيرية حالمة.

وقال في تصريح للجزيرة نت إن تحقيق أهداف المبادرة تطلب استثمارات ضخمة على جميع المستويات، والتي جرى تقديرها الإجمالي بـ400 مليار يورو، وهنا تبرز مشكلة جوهرية تتعلق بالكلفة والجدوى.

واعتبر أن بروز الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV) على حساب الطاقة الشمسية الحرارية المركزة (CSP)، والتي بُنيت عليها فكرة ديزرتاك، بفعل الانخفاض المتسارع في أسعار الألواح الشمسية الكهروضوئية، قد شكّل ضربة قاسمة للمشروع، خاصة مع انسحاب الشركتين الرائدتين سيمنز (Siemens) وبوش (Bosch) أواخر سنة 2012.

لكن ديزرتاك لم يتعثر لأسباب تقنية فقط، بل كان السؤال المشروع لدى ساسة الضفة الجنوبية للمتوسط: كيف يمكن القبول بتأسيس “هيئة فوق الحكومات” لضبط وتسيير شبكة ديزرتاك العابرة للحدود؟ إنها مسألة تمس بجوهر سيادة كلّ دولة وعلى مدى زمني مفتوح “ما بعد 2050″، مثلما يرد الخبير مهماه.

إضافة إلى المشكلة المطروحة حول ملاءمة الشبكة الأوروبية للكهرباء وترابطها والانسجام في ما بينها.

وعن البدائل المتاحة أمام الجزائر الآن، يؤكد الباحث في “مركز تنمية الطاقات المتجددة” أن بلاده لديها كل الإمكانات والمؤهلات للمضي في تجسيد مشاريع مهمة للطاقة الشمسية، بشرط وضع إستراتيجية وطنية فوق قطاعية.المصدر : الجزيرة

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm