الأخبار

هل تطغى “بيتكوين” على اقتصاد ما بعد وباء كورونا؟

تلقّت العملة المشفرة “بيتكوين” دفعة جديدة على طريق تبني المستثمرين المؤسساتيين لها بتصريح دانيال بينتو، الرئيس المشارك للبنك الاستثماري جيه بي مورغان، الجمعة، بأن البنك يخطط للتعامل في “بيتكوين” في وقت ما مستقبلاً.

جاء ذلك نهاية أسبوع ارتفاع جديد لسعر “بيتكوين”، لتصل نسبة الارتفاع في سعرها منذ بداية العام إلى ما فوق 60 في المئة. وكان سعرها تضاعف أربع مرات العام الماضي 2020.

وفي مقابلة مع “سي إن بي سي”، ليلة الجمعة، قال بينتو، “إذا تطوّر نوع من الأصول بمرور الوقت وبدأ المستثمرون ومديرو الأصول في استخدامه، فعلينا أن ندخل فيه. لم يصل الطلب عليها (بيتكوين) إلى هذه المرحلة بعد، لكنني متأكد أن ذلك سيحدث في وقت ما”.

ويأتي إعلان جيه بي مورغان بعد يوم واحد من قرار أقدم بنك في أميركا عن خطوة مماثلة، إضافة إلى مؤسسات مالية واستثمارية لطالما شككت في “بيتكوين” والعملات المشفرة عموماً، إذ أعلن بنك نيويورك ميلون، الخميس، أنه سيبدأ تخزين وتحويل إلى عملات مشفرة في وقت لاحق من هذا العام.

وسبق أن أعلنت شركة “ماستر كارد” لبطاقات الائتمان أنها تخطط لفتح شبكتها للمعاملات الائتمانية لبعض الأصول الرقمية. كذلك ذكرت شركة “أوبر” أنها تدرس أيضاً الاستعداد لاحتمال استخدام عملات رقمية في نظام مدفوعاتها. كما أعلن موقع “تويتر” أنه يفكر في دفع رواتب موظفيه، وتحصيل المستحقات منهم باستخدام عملات رقمية.

طلب متزايد

مطلع الأسبوع الماضي، أعلنت شركة تسلا للسيارات الكهربائية أنها قررت استثمار 1.5 مليار دولار في “بيتكوين”، وأنها تدرس قبول الدفع بالعملات المشفرة في المستقبل مقابل بيع سياراتها. ويرجع  البعض الارتفاع المتكرر في سعر “بيتكوين” وعملات مشفرة أخرى، إلى ترويج المياردير الأميركي وصاحب شركة تسلا إيلون ماسك لها على وسائل التواصل في الأسابيع الأخيرة. ولم يكن الإعلان الاثنين عن قرار استثمار شركته في العملة الرقمية إلا حلقة من سلسلة تطورات يشجّع عليها.

ويؤدي ذلك إلى إقبال مستثمرين أفراد على شراء “بيتكوين” وغيرها من العملات المشفرة، الأمر الذي يسفر عن ارتفاع سعرها بشكل كبير نتيجة محدودية سقف توفرها. فعدد عملاتها مثلاً المتوفر رقمياً حول العالم محدود، كما أنها لا تخضع لأي تنظيم أو قواعد رقابية أو إدارة من قبل أي سلطة حكومية أو غير حكومية. بالتالي مع توقع زيادة الطلب على العدد المحدود منها، يرتفع السعر.

مع ذلك، يظل التعامل بالعملات المشفرة، منها “بيتكوين”، ضمن نظم المدفوعات النقدية في العالم محدوداً جداً أو شبه منعدم. لكن إقبال الأجيال الجديدة من المستثمرين الأفراد على المضاربات لتحقيق أرباح سريعة وكبيرة يزيد الطلب. كما أن دخول مستثمرين مؤسساتيين مثل صناديق التحوط وبنوك الاستثمار يؤدي إلى غليان قيمة العملات المشفرة.

في الوقت ذاته، لا يتوقع أن تلجأ أي بنوك مركزية إلى إضافة العملات المشفرة لسلة احتياطياتها من العملات. وكما أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد الأسبوع الماضي، فإن العملات المشفرة ليست عملة، ولا تلبي المعايير الثلاثة الأساسية لها. كما أنها ليست مستقرة بالشكل الذي يجعلها عملة، “هي فقط أصل تداول رقمي أو أصل مشفر”. ونفت لاغارد أن تكون “بيتكوين” أو مثيلاتها ضمن أي احتياطيات نقدية، وقالت “هذا أمر غير مطروح”. وكررت التأكيد على أن البنك المركزي الأوروبي ينظر إلى تلك العملات المشفرة على أساس ما هي عليه، أصول رقمية تخضع للمضاربة وليست منظمة من أي جهة.

فقاعة أم تطور رقمي؟

مع ذلك، يرى محللون كثر الآن أن العملات المشفرة وفي مقدمتها “بيتكوين” باقية معنا حتى لو لم تصبح عملة تداول وأن اقتصاد ما بعد وباء كورونا لن يكون مثل ما قبله، بخاصة مع تطور نهج جديد في القطاع يعتمد على التكنولوجيا الرقمية. ويرى بعض الاقتصاديين أن نحو 70 في المئة من الممارسات التي سادت في عام الوباء، ستترسخ بمرور الوقت لتصبح ملامح أساسية لاقتصاد ما بعد كورونا، منها التجارة الإلكترونية والعمل عن بعد والتعليم الإلكتروني والخدمات الصحية عبر الإنترنت بتقنيات الفيديو وغيرها. كما أن البنوك المركزية حول العالم ستسرّع من طرح عملات رقمية لتسهيل المعاملات في اقتصاد رقمي بالمستقبل. وإن كانت تلك العملات الرقمية مجرد شكل من أشكال التعامل الإلكتروني ولن تحلّ محل النقد، كما أنها ستكون مضمونة ومنظمة من قبل البنوك المركزية، مثلها مثل العملات الوطنية.

ومن شأن العملات الرقمية من البنوك المركزية أن تقلل فرص استخدام العملات المشفرة في المدفوعات والتعاملات النقدية. ففي النهاية، لا وجود مادي لـ”بيتكوين” أو مثيلاتها، فهي مجرد شيفرة برمجة كمبيوترية. وفي حال التعاملات، تُحوّل العملة المشفرة إلى مقابل بالرسمية منها كالدولار أو اليورو أو غيرها.

ولأن محافظ العملات المشفرة مسجلة على شبكة مؤمنة بشدة، تسمّى “بلوكتشين”، فإن عمليات الدفع أو النقل أو تحويلها إلى عملة رسمية تأخذ وقتاً طويلاً وتحتاج إلى أجهزة كمبيوتر قوية وتستهلك كمّاً هائلاً من الطاقة. كما أن عمليات تحويل العملة المشفرة إلى مقابل نقدي معروف، تتطلب رسوماً أيضاً.

مقامرة أم تحوّط؟

يرى بعض الاقتصاديين والمحللين في السوق أن فورة الإقبال على العملات المشفرة ما هي إلا عمليات “ركوب موجة غليان فقاعة” من قبل المضاربين لتحقيق أرباح خيالية. وبالطبع، يتفق الجميع على أنها ليست عملة وإنما مجرد أصل استثماري رقمي مشفر.

وهذا ما يجعل البعض يتبنّى وجهة النظر بأنها فقاعة تشبه التداول الهائل في مشتقات استثمارية كسندات ضمان الرهن العقاري مطلع هذا القرن، التي انتهى غليانها بانفجار الأزمة المالية العالمية في 2008-2009.

لكن بعض المحللين يردّون على ذلك بأن تلك المشتقات الاستثمارية من شهادات توريق القروض، كان لها مقابل حقيقي في الواقع والاقتصاد الفعلي. أما العملات المشفرة، فتظل مجرد سطر بلغة برامج الكمبيوتر. بالتالي لن يكون غليان الفقاعة وانفجارها مؤثّرين كثيراً في الاقتصاد الحقيقي، ولن يتعدّى أثرهما شطب مليارات (وربما تريليونات) من الثروة السوقية بما يعيد أسعار الأصول إلى قيمتها الحقيقية.

ومع توجّه صناديق وبنوك استثمارية نحو العملات المشفرة، كأصل تداول رقمي يستحق المضاربة، طرح البعض فكرة أن “بيتكوين” ومثيلاتها يمكن أن تكون أصل تحوّط في مواجهة احتمال ارتفاع التضخم (ملاذ آمن لقيمة الثروة) مثلها مثل الذهب. لكن كان من السهل الردّ على تلك الفكرة بأن العملات المشفرة عالية التذبذب وغير مستقرة عكس الذهب.

على سبيل المثال، في 2017 وبعدما وصل سعر “بيتكوين” إلى 20 ألف دولار فقدت نحو ثلث قيمتها في يوم واحد. وعام 2018، هوى سعرها إلى نحو 3 آلاف دولار، ما أدى إلى تبخّر مليارات الدولارات من القيمة السوقية للعملات المشفرة.

لهذا يرى البعض أنه على الرغم من الأرباح الهائلة والسريعة التي يمكن أن يجنيها المستثمر من التعامل في “بيتكوين” أو أي عملة مشفرة، يمكن أيضاً أن يتعرّض لخسائر هائلة بالمقابل وفي لحظة.

وفي مقابلة مع تلفزيون “سي أن بي سي”، يقول أنتوني بومبليانو، مؤسس صندوق التحوط بالعملات المشفرة “مورغان كريك ديجيتال أسيتس”، إن التعامل في “بيتكوين” ومثيلاتها أشبه بالقمار. وينصح المتعاملين بالشراء بقدر قليل، إذ يمكن أن يشتري متعامل فردي جزءًا من العملة الواحدة. يضيف، “إبدأ صغيراً جداً، وقم بالبحث وتعلّم الكثير عنها”.

أما جيمس ليدبيتر، رئيس تحرير مجلة “فين” للتكنولوجيا المالية، فيشير إلى أن سعر “بيتكوين” لطالما ارتفع بشدة ثم هوى بشدة أيضاً أكثر من مرة. ويضيف، في مقابلة أخرى مع “سي أن بي سي”، ناصحاً المستثمرين والمتعاملين في العملات المشفرة، “عليك أن تكون مستعداً ذهنياً ومالياً لحدوث انهيار في سعر بيتكوين وأن هذا قد يحدث غداً”.

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm