الأخبار

هل تهدد المشاريع العالمية البديلة قناة السويس المصرية؟

حتى تستمر قناة السويس في تأدية أدوار عالمية على السلطات المصرية تعميق الممر الحالي ليستوعب السفن العملاقة

رغم إعلان مصر اليوم، الاثنين، عن تعويم السفينة الجانحة في قناة السويس بنجاح، وعودة الملاحة في الممر الملاحي الدولي؛ إلا أن هذه الحادثة التي أضرت بالتجار العالمية قد ألقت بظلالها على مستقبل قناة السويس في ظل الحديث عن ممرات منافسة ومشاريع نقل تجاري بديلة.

ماذا عن هذه الممرات البديلة؟ وماذا يقول الخبراء عن مستقبل قناة السويس؟

عصر اليوم الاثنين أعلنت هيئة قناة السويس المصرية أنها نجحت -بإمكانياتها- في إنقاذ وتعويم سفينة الحاويات “إيفر غيفن”، التي تزيد حمولتها عن 200 ألف طن. وتحتاج عملية عبور السفن المنتظرة عند مداخل القناة نحو 3 أيام ونصف اليوم بعد تعويم السفينة.

وبعد هذا الإعلان هناك تساؤلات كثيرة تثار حول مستقبل قناة السويس الإستراتيجية في مواجهة ممرات بديلة محتملة ومشاريع نقل تجارية عالمية أخرى.

ويمر نحو 30% من حاويات الشحن في العالم يوميا عبر قناة السويس البالغ طولها 193 كيلومترا، ونحو 12% من إجمالي التجارة العالمية من جميع السلع.

المشروع الإسرائيلي

يقول المتخصص في الشؤون الاقتصادية، مصطفى عبد السلام، إنه ثمة مشاريع وممرات بعضها شرع في تنفيذه والبعض الآخر في مراحل الدراسة تطرح تحديات كبيرة أمام قناة السويس، الممر المائي الأهم في العالم حاليا.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن من أهم المشاريع، التي تهدد مستقبل قناة السويس، المشروع الإسرائيلي من خلال حفر قناة موازية لقناة السويس تربط بين مينائي إيلات وعسقلان.

ويشير إلى أن هذا المشروع كان مطويا في السنوات الماضية بسبب نقص التمويل، لكن تم إحياء فكرته من جديد في ظل تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات.اعلان

ويعتقد عبد السلام أن مشروع دولة الاحتلال إذا تحول إلى حقيقة، فإنه سيهدد قناة السويس لكون البضائع والسلع التي تمر عبر القناة المصرية حاليا هي نفسها ستمر عبر القناة الإسرائيلية المحتملة، خاصة سفن النفط والغاز العملاقة من منطقة الخليج وإيران والعراق لأسواق العالم ونفط أذربيجان ودول الاتحاد السوفياتي سابقا لأفريقيا.

وفي الربع الأخير من 2020، وقعت الإمارات وإسرائيل اتفاقا يستهدف نقل نفط الخليج إلى أوروبا، وذلك عبر خط أنابيب يربط بين ميناء إيلات على البحر الأحمر، وميناء عسقلان على البحر المتوسط، والذي يمر معظمه حاليا عبر قناة السويس.

والخط أسسته إسرائيل في ستينيات القرن الماضي لنقل النفط الإيراني من البحر الأحمر إلى المتوسط، عقب تقييد مصر المرور في قناة السويس إثر العدوان الثلاثي (فرنسا وإسرائيل وبريطانيا عام 1956) لضمان إمدادات الطاقة.

ووفق مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) الأميركية، فإن حركة التجارة في قناة السويس مرشحة للتناقص بأكثر من 17% بموجب الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي.

وقد حذر رئيس هيئة قناة السويس في أكثر من مناسبة من تداعيات تدشين أي مشروع مواز للنقل البحري على المصالح المصرية، وأوضح أن المشروع سيؤثر على عدد السفن التي تعبر القناة بنسبة تتراوح بين 12% و16%؛ لكنه لن يؤثر على عبور الحاويات.

ممر بحر الشمال

يضيف مصطفى عبد السلام أن ثمة مشروعا آخر يشكل تحديا لقناة السويس، ويتعلق الأمر بمشروع بحر الشمال، الذي تحدث عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام.

وهو المشروع الذي سيؤسس لأقصر طريق للنقل التجاري بين دول الاتحاد السوفياتي سابقا وأسواق آسيا والقارة الأوربية.

وقبل يومين، قال السفير الروسي المتجول، نيكولاي كورتشونوف، لوكالة “إنترفاكس” (Interfax) للأنباء “الحادث الذي وقع في قناة السويس سيجبر كل شخص على التفكير في الحاجة لتنويع طرق الملاحة البحرية، مع تنامي حجم النقل البحري”.

وأضاف المسؤول الروسي أن تعطل الملاحة في قناة السويس يبرز أهمية تطوير الممر البحري عبر القطب الشمالي، الذي بات يمكن استخدامه بشكل متزايد بسبب التغير المناخي الذي أدى لذوبان المزيد من الجليد.

واستثمرت روسيا بكثافة في تطوير الممر البحري الشمالي، والذي يسمح للسفن بالوصول إلى الموانئ الآسيوية بمدة أقل بـ15 يوما، مقارنة بالطريق التقليدي عبر قناة السويس، وتخطط موسكو لاستخدام الممر لتصدير النفط والغاز إلى الأسواق الخارجية، خاصة أن معظم الممر بات خاليا من الجليد إلى حد كبير.

من جهتها، قالت وزارة الطاقة الروسية، اليوم الاثنين، إن سفينة الحاويات العالقة، التي تسد قناة السويس في مصر، تسلط الضوء على مدى الأمان والاستدامة لمسار بحر الشمال التابع لها وخطوط أنابيب الطاقة الروسية.

مشاريع بديلة أخرى

بالإضافة إلى ما سبق، عدّد الاقتصادي مصطفى عبد السلام عددا من المشاريع الأخرى، التي تشكل تحديا أمام قناة السويس في الاحتفاظ بمكانتها الريادية عالميا.

وتحدث في هذا السياق عن مشروع طريق الحرير الصيني، ومشروع القطارات الصينية نحو أوروبا، وممر جنوب شمال الذي ينقل البضائع من الهند وأوروبا مرورا بإيران وتركيا وعدد من الدول العربية.

رأس الرجاء الصالح

لكن أخطر تهديد -يؤكد مصطفى عبد السلام- هو طريق رأس الرجاء الصالح لعدد من الميزات بينها رخص التكلفة والأمان، وإمكانية اختياره من سفن نقل النفط العملاقة كبديل ذي جدوى تجارية عندما تنخفض أسعار النفط عالميا.

ويقول إن رأس الرجاء الصالح يعد حاليا بديلا محتملا متكاملا لما يتمتع به من ظروف أمنية مستقرة.

ويلفت مصطفى عبد السلام إلى أن باقي المشاريع الأخرى قد تواجهها صعوبات جمة تتعلق بطبيعة التضاريس مثل الصخور كما هو الحال مع المشروع الإسرائيلي، والجليد بالنسبة للمشروع الروسي، بالإضافة إلى أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى مليارات الدولارات لإنجازها، وهو ما قد لا تقدر عليه العديد من الدول.

وبرغم كل هذه التهديدات والتحديات؛ إلا أن مصطفى عبد السلام ما يزال مقتنعا بأن قناة السويس مازالت، وستظل خلال السنوات المقبلة، الممر الملاحي الأهم بالعالم.

لا بدائل حقيقية

بدوره، يؤكد الدكتور خالد المعايطه مدير عام شركة موانئ العقبة بالأردن أنه لن يكون هناك بديل حقيقي لقناة السويس في منطقة الشرق الأوسط، مهما تعددت المبادرات سواء من جانب إسرائيل أو غيرها.

ويضيف في حديث خاص للجزيرة نت أن التضاريس المحيطة بقناة السويس سهلة ومستوية؛ مما جعلها أقل كلفة من غيرها.

ويتابع أنه “حتى لو حاولت إسرائيل شق قناة، فإن محاولاتها لن تنجح، وستكون ذات تكلفة عالية جدا بالنظر إلى طبيعة التضاريس الوعرة”. ويؤكد “أن التضاريس هناك مختلفة تماما عن محيط قناة السويس، حيث التضاريس سهلة ومستوية”.

وبشأن الخسائر التي ستتكبدها الشركات والمؤسسات جراء حادث جنوح السفينة عبّر خالد المعايطه عن اعتقاده بأنها “لن تكون كبيرة”؛ لكنه أوضح أنه سيكون هناك تأخر في تسليم السلع وتعويضات لبعض الشركات من جانب شركات التأمين وغيرها، بالإضافة إلى خسائر تتعلق باستهلاك إضافي للوقود.

وبخصوص الأردن، يؤكد المعايطه أن شركته أعدت خطة إستراتيجية لضمان استقبال سلس للسفن والحاويات المتجهة إلى موانئ الأردن.

ويقول “لدينا خطة جاهزة لضمان وصول البواخر من قناة السويس إلى موانئ البلاد دون حدوث أي تأخير، ولن تكون هناك أية تكاليف إضافية على هذه البواخر”.

من جهته، أمين موسى الحاج، الخبير في اقتصاديات النقل البحري، يقول هو الآخر إنه “ما من قناة يمكن أن تحل بديلا عن قناة السويس رغم الأزمة الحالية”.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن باقي المشاريع الأخرى -وفق علمه- تبقى مجرد أفكار أو مشاريع لم تنفذ على أرض الواقع.

قناة راسخة

يصف أمين موسى الحاج أن قناة السويس “قناة راسخة ومجربة وأقل كلفة”، والسفن التي ستختار المرور عبر رأس الرجاء الصالح ستعاني من ارتفاع التكلفة وعامل طول الزمن.

ويعبر عن اعتقاده بأن أية مشاريع أخرى للنقل -بعيدا عن المياه- ستكون أكثر كلفة، مؤكدا أن النقل المائي هو أرخص أنواع  النقل على الإطلاق، ورغم أن العالم ربما يكون بحاجة إلى شق قنوات مائية تربط آسيا بأوروبا؛ لكن قناة السويس- برأيه- تظل الطريق الأمثل والأكثر سرعة والأقل كلفة.

من جهته، يقول خبير الاتصالات والسلامة البحرية في السودان، سامح الصائغ، “إنه بعد أزمة سفينة قناة السويس سيبحث ملاك السفن عن طرق أخرى بديلة، وهذا سوف ينعكس على الاقتصاد المصري”.

وفي حديث للجزيرة نت عبر الصائغ عن اعتقاده بأنه من الصعب إيجاد ممرات أخرى بديلة لقناة السويس باستثناء الممر الإسرائيلي (المقترح)، وهذا سيكون في صالح إسرائيل”.

وأشار إلى أنه في حال عجزت مصر عن الوفاء بالتزاماتها في قناة السويس رغم أنها تتمتع بمسافة أقرب بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، فإن الحل الآخر وفق الصائغ سيكون في إسرائيل رغم ارتفاع التكلفة.

ولفت إلى أن البعد الاقتصادي والإستراتيجي ربما جعل إسرائيل تحيي مشروع القناة البديلة؛ لأن العوائد ستكون كبيرة رغم تكاليف إنشائها.

ويقول إن هناك ميزتين تجعلان من تنفيذ المشروع الإسرائيلي أمرا قابلا للتنفيذ؛ أولا تطور إسرائيل التكنولوجي، وثانيا هو أنها الطفل المدلل لأميركا والدول الغربية، فلن تجد من يعترض على هذا المشروع، وفق تعبيره.

ولم يستبعد الصائغ أن يكون تمويل هذا المشروع من الإمارات، كما لم يستبعد أن تُجبر السفن لاحقا على أن تبحر عبر هذه القناة الإسرائيلية الجديدة بدعم غربي.

ما العمل؟

في ظل الأزمة الحالية يؤكد الصائغ على أهمية توسعة قناة السويس وتعميقها، كما يؤكد على تدريب الإدارة البحرية جيدا واختيارها، وفق متطلبات غاية في الدقة، ولن يتم ذلك- برأيه- إلا عبر جهة استشارية خارجية لا حكومية.

وحتى يستمر هذا الممر الإستراتيجي في تأدية أدوار عالمية، شدد مصطفى عبد السلام على ضرورة أن تقوم السلطات المصرية بتعميق الممر الحالي؛ ليستوعب السفن العملاقة، وتوسعته لتسهيل عمليات الإنقاذ في حالة الأزمات، بالإضافة إلى التزود بناقلات وقاطرات جديدة وضخمة تساعد في سرعة تنفيذ عمليات الإنقاذ.

أما أمين موسى الحاج، فيؤكد على ضرورة إدخال تغييرات على قناة السويس، ليس في وسطها بالضرورة؛ ولكن عبر تعميق الأطراف على سبيل المثال أو شق  قنوات فرعية جديدة

.المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية

مشاركة:

السياحة في تركيا
Tourism in Turkey
Türkiye'de Turizm