الاستثمار في الساعات الفاخرة .. هكذا تولّد صناعة الوقت في سويسرا الذهب
ليست مجرّد ساعات فاخرة… هي من السلع التي تزداد قيمتها مع مرور الوقت، ويتسابق عليها المليارديرات وجامعو الساعات حول العالم وهم بالآلاف.
يمضي صانعو الساعات السويسرية الفخمة أشهرًا طويلة في العمل على ساعة واحدة قبل تسليمها إلى المشتري، وينتظر الزبائن أشهرًا وأحيانًا سنوات للحصول على “الساعة الحلم”.
لكل علامة ساعات فاخرة مميزاتها الخاصة، والسباق بين الأسماء العريقة في هذا العالم، يشمل كلّ شيء، من التصميم إلى المجوهرات إلى كلّ قطعة تتألّف منها الساعة.
حتّى ميكانيك الساعة يظهر من الخلف من خلال غطاء شفاف يبيّن مدى تعقيداتها، وتمّ إنتاج ساعات يمكن ارتداؤها من الجانبين.
أما رنّة الساعة فليست وليدة الصدفة بل تخضع لشروط الصانع، ويوافق عليها الرئيس التنفيذي للشركة شخصيًا، مع لجنة من كبار المسؤولين.
27 مليار دولار
لم تتمكن الساعات الذكية من خطف الاهتمام بالساعات السويسرية الفاخرة، وتظهر أرقام اتحاد صناعة الساعات السويسرية أن الدولة الأوروبية التي تعد “عاصمة صناعة الوقت” في العالم، صدّرت عام 2022 الماضي ساعات قيمتها توازي 27 مليار دولار بارتفاع 11.4% عن عام 2021، وهو مستوى مبيعات قياسي.
وتتصدّر الولايات المتحدة، معقل ساعات أبل الذكية، الدول المستوردة بقيمة توازي 4.25 مليار دولار وبنسبة نمو فاقت 26.3%.
واستمر نمو الصادرات في الربع الأوّل من 2023، بنسبة وصلت إلى 11.8% مقارنة بالربع الأوّل 2022.
ولا تغفل عين صانعي الساعات الفاخرة عن السوق الثانوية، إذ يجري تداول القطع المستعملة الذي شهد نموًا كبيرًا في السنوات القليلة الماضية، مع ارتفاع الطلب عليها من جيل الشباب، بوصفها أداة استثمارية.
لماذا جنيف؟
ارتبط اسم صناعة الساعات بمدينة جنيف السويسرية منذ منتصف القرن السادس عشر، في ذلك الحين، فرّ البروتستانت الأوروبيون إلى جنيف بوصفها ملاذًا من الاضطهاد، حيث استقطبهم جان كالفن الذي يعد مؤسس المذهب البروتستاني (الكالفاني) المنتشر في فرنسا وسويسرا، ووجد هؤلاء فرص عمل في صناعة الساعات مع اتجاه الصاغة في المدينة إلى هذا القطاع بعد حظر المجوهرات بهدف التقشف الاقتصادي.
صنعوا الساعات بمهارة ودقة وزيّنوها بالمجوهرات والأحجار الكريمة النادرة، ثم توالت الابتكارات وتطوير الصناعة مع انتقال العديد من صناع الساعات إلى جنيف التي تحوّلت إلى مركز عالمي لإنتاج الساعات منذ ذلك الحين.
كان الصائغ دانيال جان ريشار (1665-1741) أول من أدخل تقسيم العمل بنظام ورش العمل المستقلة إلى القطاع، وهي شروط ما زالت معتمدة إلى اليوم.
تقسيم العمل
زيارة مقر باتك فيليب Patek Philippe، وهي من الشركات الرائدة في عالم صناعة الساعات السويسرية الراقية ليست بالأمر السهل، يجب أن تمر بإجراءات أمنية، والتصوير ممنوع منعًا مطلقًا.
في المبنى الذي شيّد حديثًا في قلب جنيف، تعمل مجموعات من الحرفيين المهرة على إنتاج أجزاء الساعات، وهنا تكتشف الدقة والتميّز بكل أشكاله.
ورغم كُلفة المعيشة المرتفعة في سويسرا بشكل عام، وفي جنيف بشكل خاص، تتمتع الدولة الأوروبية بالقدرة على جذب العمالة الماهرة من الدول المجاورة نظرًا لاعتمادها حدًا أدنى مرتفعًا للأجر، يميّزها عن دول الجوار.
في قسم صناعة أجزاء الساعات تجد الحرفيين الذين يتمتعون بمرونة في استخدام أصابع أيديهم، فليس ضروريًا أن يكون لهؤلاء خبرة في عالم الساعات، المهم أن يكونوا دقيقين ومثابرين ومهرة، إذ يتبيّن أن عددًا لا بأس به منهم كانوا متمرسين في مهن مثل تصفيف الشعر وبعض الحرف الأخرى.
لكل عامل وظيفته، يعمل على إنتاج الجزء المكلّف به من الساعة يدويًا على مدار اليوم، ثمّ التأكد من جودتها ومراعاتها لمختلف المقاييس والشروط، قبل أن تخضع لرقابة مديره.
مئات من المكونات صغيرة الحجم لكل حركة داخل الساعة الواحدة، يقومون بصف المكونات الدقيقة التي تجري خراطتها من معادن ثمينة بعناية في الصواني حتى لا يضيع أي شيء.
وتعد النظافة من أهم الشروط، لأن جزئيات صغيرة من غبار المعدن يمكن أن تخدش المكونات التي تُلمّع بعناية فائقة، أو تفسد عمل يوم بكامله.
تجمع الأجزاء الصغيرة لتشكل مكوّنات ميكانيك الساعة، كل واحدة وفق تصميمها وما تتضمنه من تعقيدات، لينتقل العمل بعد ذلك إلى “الساعاتي” وهو الخبير الذي يجمع كل هذه المكونات، ويتأكّد من أن الساعة أصبحت جاهزة للانتقال إلى معصم الشاري.
يجتمع صانعو الساعات، وهم من كبار الخبراء في مبنى الشركة القديم الذي يضم إدارتها، وفيه ينجز المنتج النهائي في أجواء من الخصوصيّة والسريّة.
إصلاح الساعات القديمة
تضم الشركة أيضًا قسمًا لإصلاح الساعات القديمة التي يمكن أن يعود بعضها إلى عشرات السنوات، خصوصًا أنّ الشركة تنتج ساعاتها الفاخرة منذ عام 1839.
في هذا المكان، قد يستقبل الخبير ساعات تعرّضت لنيران الحرائق، أو ذات أجزاء مفقودة، ويترتّب عليه استخدام تقنيات العصر نفسها الذي صنعت فيه، وهو أمر قد يستغرق أشهرًا وأحيانًا سنوات.
مهنة صانع الساعات الفاخرة، مطلوبة على نطاق واسع في سويسرا وهي تتطلب مهارة ودقة وخبرة كبيرة، مع معرفة واسعة بتاريخ كل ساعة ومكوناتها.
متحف الساعات

متحف ساعات باتك فيليب في جنيف يروي تاريخ “صناعة الوقت” منذ منتصف القرن السادس عشر (الصورة من Patek Philippe)
افتتحت باتك فيليب متحفًا يجمع تاريخها من الساعات منذ نشأتها، كما يروي تاريخ صناعة الساعات السويسرية، وهو يعتبر أبرز متحف للقطاع في العالم.
أعادت الشركة شراء عدد كبير من هذه الساعات من السوق الثانوية. في هذا المتحف تجد منتجات منذ نشاة الشركة، بعضها اقتناها قادة العالم في حقبات مختلفة، وأخرى لنجوم أو سيدات المجتمع المخملي. تجد في المتحف ساعات حملها الملك المؤسس للمملكة العربية السعودية عبد العزيز آل سعود وأمير الكويت وغيرهم.
وتحتفظ الشركة العائلية السويسرية بسجل أغلى ساعة بِيعَت في مزاد، وهي ساعة Grandmaster Chime التي بِيعَت بسعر 31.19 مليون دولار خلال معرض للساعات عام 2019.
لا تأخذ الساعة قيمتها فقط من المعدن المصنوعة منه مهما كان غالي الثمن، ولا المجوهرات والأحجار الكريمة فقط، بل أيضًا عدد التعقيدات complications، وميزات عرض المنطقة الزمنية Travel Time، وأوضاع الرنين بنغمات مميزة، وآليات الدوران والتقويم السنوي التي حصلت على براءات اختراع، وغيرها.
أصدرت الشركة عام 2014 ولمناسبة الذكرى 175 لتاسيسها ساعة Grandmaster Chime reference 5175R-001 يمكن ارتداؤها من الجانبين وتعد من أكثر ساعات الشركة تعقيدًا.
وعلى هامش “معرض ساعات وعجائب جنيف 2023″، أطلقت باتك فيليب قبل أيام 17 تصميمًا لساعاتها الجديدة.

