من الازدهار إلى الانهيار: هل انتهى أسوأ ما في أزمة القطاع المصرفي؟
كانت حالة الاضطراب التي شهدها القطاع المصرفي واحدة من أكبر الأحداث في بداية عام 2023.
وقد تسبب بيع بنك كريدي سويس الاستثماري المؤسس قبل 166 عامًا، وإفلاس بنك سيليكون فالي (SVB) ومقره كاليفورنيا، وانهيار بنك سيغنتشر Signature في نيويورك، في صدمات للقطاع الذي شهد زيادات غير مسبوقة في نسب الفائدة من قبل البنوك المركزية الكبرى وتأثر بالظروف الاقتصادية غير المواتية.
في هذا التقرير، سنتناول كيف انفجرت أزمة القطاع المصرفي، وما إذا كانت قد شارفت على الانتهاء؟
أسباب الانهيار
ثمة عدة عوامل يمكن أن تتسبب في انهيار البنوك من بينها: سوء إدارة المخاطر والاحتيال وسوء السلوك والإخفاق التنظيمي وفقاعات الأصول والركود الاقتصادي.
وعن انهيارات البنوك الأخيرة، قالت نائب رئيسة كلية العلوم المالية والمصرفية بجامعة نيو ساوث ويلز، ثوي ديونغ تو، على صفحة الجامعة إن أسباب الأزمة تعود إلى إدارة المخاطر أو غيابها من الأساس.
وفي حالة بنك سيليكون فالي، فإن الأمر يتعلق بمخاطر نسب الفائدة وإدارة مخاطر السيولة، بينما في حالة بنك كريدي سويس، فإن الأمر يتعلق بمخاطر تشغيلية وغياب الرقابة والامتثال.
أشارت الأستاذة المساعدة في كلية العلوم المالية والمصرفية في الجامعة نفسها، جوشيا شو، إلى أن انهيار بنكي سيليكون فالي وسيغنتشر يرجع جزئيًا إلى فشلهما في إدارة نسب الفائدة ومخاطر السيولة.
تتعرض البنوك لمخاطر نسب الفائدة عندما تقترض على المدى القصير وتقدم قروضًا على المدى الطويل، بحسب شو.
عندما ترتفع نسب الفائدة، يمكن أن يتسبب ذلك في زيادة تكاليف التمويل قصير الأجل من دون ارتفاع مناظر في عوائد الأصول، ما يؤدي إلى تقلص الأرباح وخسائر محتملة قد تسبب إخفاق البنك. أوضحت شو أنه عندما لا تصبح البنوك قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين والدائنين الآخرين نتيجة نقص السيولة الكافية أو النقد المتاح، فإنها تواجه مخاطر السيولة.

أغلقت الجهات الناظمة المالية بنك سيليكون فالي في مارس/ آذار 2023. مصدر الصورة: REBECCA NOBLE / AFP
تفاصيل الأزمة
في 12 يونيو/ حزيران 2023، أتمّ بنك يو بي إس UBS السويسري رسميًا استحواذه على بنك كريدي سويس المتعثر، ووافق على شرائه مقابل 3.2 مليار دولار (3 مليارات فرنك سويسري). لعبت الجهات الناظمة السويسرية دورًا رئيسيًا في الصفقة التي تم الإعلان عنها لأول مرة في مارس/ آذار، إذ اتخذت إجراءات عاجلة للسيطرة على الأزمة التي باتت تهدد النظام المصرفي العالمي.
وقبل صفقة البيع في مارس/ آذار، سجل بنك كريدي سويس صافي تدفقات خارجة بنحو 68.6 مليار دولار (61.2 مليار فرنك سويسري) خلال الربع الأول، وعلى الرغم من استقرار التدفقات الخارجة عند مستويات منخفضة، فإنها لم تعكس مسارها حتى 24 أبريل/ نيسان 2023، وفقًا لأحد التقارير.
وفي 10 مارس/ آذار 2023، أغلقت الجهات الناظمة المالية في إدارة الحماية المالية والابتكار في كاليفورنيا بنك سيليكون فالي، أحد أهم الكيانات الرئيسية في قطاع التكنولوجيا ورأس المال المغامر، وسيطرت على ودائعه، وتم تعيين مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية FDIC كمستلم.
في 27 مارس/ آذار، أعلن بنك فيرست سيتيزنز First Citizens التابع لشركة First Citizens BancShares ومقرها مدينة رالي الأميركية، موافقته على شراء جميع القروض وبعض الأصول وجميع ودائع العملاء وبعض الالتزامات الخاصة ببنك سيليكون فالي من مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية.
فيما اشترى بنك HSBC في لندن أعمال بنك سيليكون فالي في المملكة المتحدة في 13 مارس/ آذار، لقاء مبلغ رمزي قدره 1.25 دولار (جنيه إسترليني واحد).
في 12 مارس/ آذار 2023، أغلقت الجهات الناظمة في نيويورك بنك سيغنتشر، أحد أكبر البنوك في صناعة العملات الرقمية، بعد أن سحب المودعون مبالغ كبيرة من المال عقب انهيار بنك سيليكون فالي.
وفي خطوة تهدف إلى استعادة الثقة في النظام المصرفي للبلاد، تم إنشاء برنامج طوارئ لدعم جميع الودائع في بنكي سيليكون فالي وسيغنتشر، وفقًا لبيان مشترك صدر عن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، جيروم باول، ووزيرة الخزانة، جانيت يلين، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية، مارتن غروينبيرغ.
وفي الشهر الماضي، أعلنت إدارة الحماية المالية والابتكار في كاليفورنيا سيطرة الجهات الناظمة على بنك فيرست ريبابليك First Republic الأميركي، المتخصص في تقديم القروض العقارية طويلة الأجل لمشتري المساكن الأثرياء. فيما استحوذ جي بي مورغان تشيس على جميع ودائع البنك المنهار والغالبية العظمى من أصوله.
زيادات حادة في الأسعار العالمية
شرعت البنوك المركزية الكبرى في جميع أنحاء العالم في رفع تكاليف الاقتراض العام الماضي لكبح جماح معدلات التضخم المتصاعدة.
رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نسب الفائدة عدة مرات منذ الربع الأول من عام 2022، وكان آخرها في مايو/ أيار.
في 14 يونيو/ حزيران، أوقفت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة FOMC سلسلة ارتفاعات نسب الفائدة بعد 10 زيادات متتالية، فيما أشارت إلى احتمالية زيادتها هذا العام. هذا وقد وصل معدل الاقتراض الرئيسي في النطاق المستهدف من 5% إلى 5.25%.
في مايو/ أيار، رفع بنك إنجلترا معدل الفائدة القياسي إلى 4.5% للمرة الثانية عشرة على التوالي.
وفي 15 يونيو/ حزيران، رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس.

سيطرت الجهات الناظمة على بنك فيرست ريبابليك الأميركي، المتخصص في تقديم القروض العقارية طويلة الأجل لمشتري المساكن الأثرياء، الشهر الماضي. مصدر الصورة: Larry Zhou/ Shutterstock
ما احتمالات الركود؟
قال رئيس المحتوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة البيانات والأبحاث غلوبال داتا GlobalData، أندرو هازليب، لفوربس الشرق الأوسط، إنه “من غير المحتمل” أن تدفع تداعيات الأزمة المصرفية الأميركية الاقتصاد العالمي نحو الركود هذا العام.
كشف هازليب: “تركزت البنوك ذات الصلة بشكل حصري تقريبًا على الولايات المتحدة، ومن ثم سيكون تأثيرها محدودًا للغاية في باقي العالم المالي”. وعن استعداد القطاع المالي لهذا الاضطراب، قال هازليب إن أفضل وسيلة دفاع تتمثل في التعرض الأقل للمشكلة.
ووفقًا لهازليب، فإن هذا يعني الاحتفاظ بنقد أكثر وأوراق مالية أقل، ومن ثم تتجنب المؤسسة البيع في الأوقات غير المناسبة. وأضاف أنه على المدى الطويل، سيكون من الأفضل وجود عدد أقل من البنوك التي تخدم فئات محددة بنوك متنوعة جغرافيًا واقتصاديًا.
ومن المتوقع أن تتجه الولايات المتحدة نحو الركود بدءًا من الربع الثالث من هذا العام، وفقًا لبيانات من شركة الخدمات المالية العالمية Nomura. ويعزى ذلك إلى التأثير المتأخر للتشديد المتراكم للسياسة النقدية والرياح المعاكسة لقطاع الائتمان.
دخلت منطقة اليورو بالفعل في ركود تقني. وفي آسيا، من المتوقع أن يضعف الطلب على الاستثمار والاستهلاك جراء التأثير المتأخر للسياسة النقدية وارتفاع عدم اليقين وتداعيات الركود في الولايات المتحدة. فيما أظهرت البيانات مرونة المملكة المتحدة بأكثر مما كان متوقعًا، ليصبح سيناريو الركود غير وارد.
ماذا نرتقب؟
شهدت العديد من البنوك الأميركية الإقليمية انتعاشة في قيمتها، ما قد يضع حدًا للأزمة الأخيرة، بحسب هازليب.
وأضاف: “ما دامت البنوك تتمتع بإمكانية الوصول إلى برنامج التمويل المصرفي لأجل الذي أطلقه البنك الاحتياطي الفيدرالي، فهناك خطر ضئيل في أن يُكشف أمرها مثلما حدث مع بنك سيليكون فالي”.
ترجمة: أمل عبد الوهاب

